إلى أين يتجه النظام العربي؟
يميل أغلب المراقبين لما يسمى بـ”الربيع العربي” إلى أنه حقق مكاسب متناقضة؛ إذ نزع خوف المواطن العربي من أنظمته وفي الوقت نفسه مكّن النظام القديم من إعادة ترتيب بيته السلطوي، وأعطى “شرعية الدولة” لحملة سيف الحجاج بن يوسف الثقفي على ما تسميه أمريكا والغرب بـ”الإرهاب الإسلامي” ووسع مساحة “الاسلامو فوبيا” في القارات الخمس.. فإلى أين يتجه النظام العربي وسط هذا التحول العالمي؟ وما هي نهاية التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”؟
بالأمس القريب، كنا نظن أن الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح همّش “الحوثيين” وأنه من حقهم المطالبة بحقوقهم كمواطنين يمنيين، لأن “القاعدة” استهدفتهم و“التشيّع” ليس جريمة ما لم يكن ولاءً لغير الوطن، لكن الحقيقة عكس ذلك فقد كشفت وسائل الإعلام أنهم يحظون بدعم إيراني ممّا جعل الكثير يتخوّف من “التوسع الإيراني” الذي يستهدف تفكيك الدولة السعودية و“الانتقام” لعلي والحسن والحسين من بقايا آثار بعض الخلفاء الراشدين والدولة الأموية.
وتبين من الأحداث الأخيرة في اليمن أن “مليشيات الحوثيين” تحظى بالدعم الأمريكي بالرغم من الشعار الذي يحمله عناصرها (وهو الموت لإسرائيل وأمريكا).
قد يقال إن هذا الكلام لا يخلو من مبالغة؛ فأمريكا لا تتعامل مع المليشيات المسلحة وأنها أغلقت سفارتها في اليمن في وجه اليمنيين، والواقع الذي يتجاهله الكثير أن السلطة حاليا في أيدي الحوثيين وهم الآن يقدّمون تسهيلات للطائرات الأمريكية بدون طيار لضرب المشتبه بهم في الانتماء إلى ما يسمى بـ“القاعدة“، وأن سيطرتهم على العاصمة صنعاء كان بدعم من الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح وصمت أمريكي، وكأن الهدف من هذا الحراك المسلح هو السعي إلى تفكيك الدولة اليمنية حتى يفقد الشعب اليمني برودة أعصابه وحكمته ويدخل الحرب الأهلية القبلية فتنهار الدولة.
إن الشعب اليمني مايزال يحافظ على الدولة التي لا تزول بزوال الرجال ورؤساء الحكومات ولا بانتشار السلاح وهيمنة المليشيات على الثكنات العسكرية، لأنه يدرك أن دولته كانت أوّل دولة عربية تقرض البنك الدولي في العالم وتقاوم دعاة التقسيم، ولأنه شعبٌ يقاوم الطبيعة والتحولات السياسية الدولية محافظا على “خنجره” الذي لا يفارقه في البيت والشارع ولا يسمح أن يتحول إلى وسيلة لسفك دم الآخر الذي صار “جهنم” حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر.
أخطأ الحوثيون التقدير عندما اعتقدوا أن إيران ستحميهم، وأن أمريكا ستدعمهم، لأنهم ضد “القاعدة“؛ ولأن القاعدة تحاربها أمريكا ونسوا أنهم مجرد فئة مذهبية مستغلة فقط للضغط على السعودية حتى تبقى حاضنة لمشروع تمويل “التحالف الدولي” ضد “الإرهاب الإسلامي“.
قد تكون للتغيرات الجديدة في النظام السعودي تداعيات على مستوى “ورثة” الحكم أو على مستوى العلاقات الأمريكية السعودية، إلا أن انتقال الرئيس باراك اوباما مع زوجته إلى الرياض وتقديم العزاء للعائلة المالكة كان الهدف الأساسي منه هو “إقامة علاقات شخصية” مع الملك السعودي الجديد، وطمأنته بأن “السياسة الأمريكية في اليمن وسوريا والعراق لن تكون على حساب التحالف الاستراتيجي الأمريكي السعودي” وهو الكلام نفسه الذي يكون قد سمعه الملك سلمان في مارس من العام الماضي حين زار الرئيس أوباما الرياض لإزالة “فتيل التوتر” بين البلدين في عهد الملك الراحل.
تعتبر السعودية اليمن “خطا أحمر” بالرغم من عجزها عن دعم التحولات التي وقعت فيها، أما تمسكها بإسقاط الرئيس بشار الأسد فقد تراجعت عنه، لأن القضية مرتبطة بالملك الراحل الذي اعتبر وصف الأسد بعض الحكام بـ(أشباه الرجال) مساساً بشخصيته، وبالنسبة للعراق فإن مصالح السعودية هي محاربة “داعش“، ويبقى السؤال ما موقع إيران من العملية المرتبطة باليمن وسوريا والعراق؟
من وجهة النظر الأمريكية، فإن لإيران دورا مهما في المنطقة وقد تساعد أمريكا على حماية مصالحها الإستراتيجية، ومن جهة نظر السعودية فإن إيران تمثل خطرا على المملكة، وتوسع المليشيات الموالية لها في المنطقة قد يشجع على ظهور ميليشيات في بعض المدن السعودية ذات الأغلبية الشيعية، ويشجع على الإطاحة بـ“نظام البحرين“.
إن دعم السعودية لأمريكا في “الحرب البترولية” على روسيا قد تكون له آثار على دول الخليج، فتدهور الأسعار لا تستطيع أن تتحمله السعودية إذا استمر دعمها المالي لمصر، ورهان أمريكا على النظام السعودي في تشكيل تكتل عربي لمحاربة ما يسمى بـ“الإرهاب” قد لا يحقق مردوده الأمني في المنطقة، ورهان مصر على المال الخليجي في إخراجها من المأزق الاقتصادي لن يدوم طويلا، ورهان سوريا على روسيا وعلاقتها بمصر لتوحيد المعارضة وتقاسم السلطة مع نظام الأسد لا يحقق الإجماع الدولي، لكن رهان المقاومة اللبنانية والفلسطينية على الدعم الإيراني للرد على إسرائيل وإعادة ترتيب البيت العربي سيبقى السلاح الوحيد لقيام الدولة الفلسطينية وانتزاع الاعتراف الدولي بها.
أما رهان دول المغرب العربي على فرنسا لحماية جاليتها في أوروبا من “الاسلاموفوبيا” فإن مردوده سيكون سلبيا، فتونس تعيش وضعا “قلِقا” بسبب عجز الحكومة عن تشكيل فريق يحظى بثقة البرلمان بما فيها أعضاء حركة النهضة، والجزائر تعاني مشاكل بسبب تحرّك الجنوب، وتدهور أسعار النفط وتداعياته على مشاريع الحكومة، وهي مقبلة على إعادة إدماج الوزارات وإقالة عددٍ من الوزراء، والبحث عن رئيس حكومة جديد، والمغرب في أزمة مع فرنسا والجزائر ليبيا تبحث عن هوية “وطنية أو حزبية أو كفاءات” لبناء الدولة، وموريتانيا ماتزال تواجه صعوبات في تأسيس “ديمقراطية جديدة” بعد فشل الانتخابات الرئاسية التي أشرف عليها أحمد أويحيي بدعم من الاتحاد الإفريقي.
إن النظام العربي في عمومه يتجه نحو “ربيع جديد” للوجوه القديمة أو السقوط في فوضى جديدة، ولا أحد كان يتوقع أن تحتفل مصر بالسنة الرابعة لثورتها بإطلاق سراح رموز النظام السابق وسجن رموز الثورة والمزيد من الدماء في الشارع المصري، ولا أحد كان يتوقع نقل السلطة في السعودية من الجيل الأول إلى الجيل الثاني قبل تداول جميع أبناء الجيل الأول عليها، وأن يكون آخر ملوك الجيل الأول من “المطبخ الأمريكي“.