“إمارة” تونس الديمقراطية لـ “مملوك” باي الإيالة
انتهى “العرس” الانتخابي في تونس الخضراء، موطن النشأة لثورات الربيع العربي، بمنح الصدارة لحزب أسسه منذ عامين سياسيٌّ مخضرم معمر أطال الله في عمره، رفقة لفيف من أحفاد الرعيل الأول من رفاق “المجاهد الأكبر”. شيخ أكل عليه ومعه الدهر وشرب، قدم من أعماق التاريخ التونسي الحديث، ووضعته الأقدار مبكرا في حاشية الحبيب بورقيبة حتى رُحّل الزعيم بتهمة الخرف، وارتكاس عقله في متاهات أرذل العمر، ثم ائتمنه بن علي على رأس البرلمان، فرحل بن علي، وصمد الباجي قايد السبسي أمام “ثورة” الشباب التي سلمته قيادة الحكومة الانتقالية، قبل أن ينفق عامين من عمره، بين لحظة الحمل الاصطناعي بجنين “نداء تونس” وساعة اختطافه للسلطة في يوم النصارى من شيوخ النهضة الإسلامية.
هذا النوع من الرجال الأفذاذ يملي على الخصم قبل الصديق واجب البحث في نشأة “الموهبة” وما يدسه العرق، حتى يتمكن رجل في نهاية العقد التاسع من كسب قصب السبق، واختطاف صولجان “إمارة” تونس الديمقراطية من شباب “الفايس بوك” مفجري ثورة العرب على المعمرين من قبيلة الاستبداد، ولأنه حين يعرف السبب يبطل العجب، ولأن العرق دساس كما جاء في الحديث.
الرجل سر أبيه، ينحدر من سلالة مليئة بالمفاجآت، فهو حفيد الحفيد لـ“مملوك” من أصول إيطالية من سردينيا، سباه “رياس” تونس أوائل القرن التاسع عشر، وألحق كـ“مملوك” بقصر باي تونس حسين الثاني، الذي سماه إسماعيل، قبل أن ينعم عليه حين شب عن الطوق بوظيفة ولقب “قايد السبسي” أي القايد المشرف على مراسم سهرات التدخين بآلة “السبسي” كان الباي يختار لرعايتها المقربين ممن يثق فيهم خوفا من التسميم.
لكن الجد الأكبر لرجل تونس الديمقراطية (وربما رئيس جمهوريتها المقبل) كان المملوك الإيطالي الوحيد الذي نجح في تسلق المراتب القيادية العليا في الإيالة، وعاشر أكثر من باي، حتى إنه رفض العودة مع والده البيولوجي الإيطالي وقد جاء يفتديه، وآثر عز القصر حيث عين “وكيلا للربطة” (وهي إدارة رفيعة لمخزون الإيالة من الحبوب) وكأنه يوسف قد جُعل على خزائن الأرض عند عزيز مصر، ليتقلد مناصب قيادة كثيرة تحت أكثر من باي، تماما كما سوف يبدع حفيده الباجي قايد السبسي، فخدم ثلاثة منهم.
لا عجب أن يكون هذا “الشبل العجوز” من ذاك الفتى الإيطالي “المملوك” لبايات تونس، المالك لرقاب التونسيين، لكن العجب كل العجب أن يفشل أشبال تونس، المفجرون لثورة الياسمين، في إحالة أكبر معمر في تاريخ السياسة والحكم في العصر الحديث إلى المصحة التي رَكَن فيها بن علي زعيمَ تونس الأكبر، أو ربما لأن أربعة أجيال من التونسيين وقد وُلدت، وعاشت، وأقبرت، في عهد “المجاهد الأكبر” المعمر، إنما تحتاج إلى ما احتاج إليه من عَبَر من بني إسرائيل، بالتيه أربعين سنة في صحاري ديمقراطية يتداول فيها المعمرون على السلطة بأصوات جيل “لقد هرمنا” قبل أن تسلم تونس الخضراء لشباب يائس ساعة قبل قيام الساعة، وخروج المهدي، وعودة المسيح، وقتل دجال الديمقراطية الأعور.