إما أن تعود كاملة أو لا تعود
بكل وضوح وأكثر من وضوح الشمس لا تؤخذ تجزئة فهي إما كاملة أو لا.. إنها فلسطين التي تبدو كل محاولة لتجزئتها إنما هي محاولة ضرب في العتمة والتيه لن ينتج عنها إلا الآلام والحسرة وخيبات الأمل.. فلسطين كلها أولا.. هذه حقيقة تاريخية وقرآنية وواقعية وكان يكفي تدبرها في الماضي السحيق والوسيط أو القريب، للتأكد بأن الانهيار فيها لا يتوقف حتى يصل نهاياته، وأن الانتصار فيها لا يحده حد.
رحلة طويلة من الانخداع والجري نحو السراب وتصديق الوعود وتقديم حسن السلوك، لعل العدو يقتنع بجدارتنا بنيل جزء من حقنا.. رحلة طويلة من اتفاقيات أوسلو وما اكتنفته من ضبابية وتنازل وعدم إدراك.. إلى تداعيات أوسلو على الأرض، والتي كانت في أخطر حلقاتها الاعتراف بشرعية وجود الاستعمار على معظم أرض فلسطين.. رحلة طويلة من محاولات لجم المقاومة وقهر الأحرار وتقديم نماذج رديئة لتكون في مقدمة المشهد الوطني لعل الاستعماريين يقبلون بتنازل عن بعض ما بين أنيابهم.
وبعد رحيل العمر نكتشف أننا كنا نطارد خيط دخان فيما جعل العدو من الاستيطان وقتل الفلسطينيين في قطاع غزة باليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض وتقطيع أوصال الضفة وتحويلها إلى كانتونات مغلقة بحاجز وبوابات سلوكا عنصريا مشرْعَنا لا يقابل بموقف حقيقي.. والأن يطوي العدو صفحات المجاملة والمداهنة ليكشر عن أنيابه: أن لا قدس.
عندما نسمع المعنيين بالعملية السلمية يقولون لقد لدغنا مئة مرة من جحر واحد، وعندما يستفيضون بشرح الموقف الأمريكي المعادي لشعبنا وقضيتنا، وعندما يسوقون الأدلة العلمية والتاريخية على بطلان شرعية وجود الكيان الصهيوني، وعندما يعلنون أن لا استعداد لقبول الإملاءات من قبل النظام العربي.. أن كل ذلك يجعل من الوطنية الفلسطينية معيارا بارزا ومحل مرجعية، وهنا لابد من التأكيد أن الوطنية الفلسطينية تقتضي من الكل الفلسطيني أن يخرج ونهائيا من لعبة التنازل عن أي جزء من فلسطين؛ ليس لأن ذلك ينبغي أن لا يكون في قيم الثوار والمناضلين فقط، بل ولأن هذا أيضا سلوكٌ سياسي غير ناضج أثبتت التجربة أنه مضيعة للوقت وبقية الحق أيضا وفرصة للعدو أن يقتل وينهب بلا رادع تحت غطاء من السلام الكاذب.
إن نقلة بعيدة يجب أن تتم لتعزيز الكفاح الفلسطيني، فلئن كانت الثورة الشعبية السلمية تؤتي ثمارا وهي خيار جهة فلسطينية، فليس معنى ذلك أن تتوقف فصائل أخرى عن القيام بتفعيل خيار العمل الفدائي النوعي.. إن صاحب الخيار الوحيد مهزوم حتما وليس من المنطق أبدا توقيف العمل الفدائي أو إعلان التنازل عن جزء من فلسطين..
فلسطين كاملة هي الهدف الذي ينبغي أن لا يُسعى إليه بالعبث والتشكيك.. وكل الخيارات لانجازه مشروعة بكل وسائل العمل المقاوم سياسيا ودبلوماسيا وثقافيا وفدائيا وتظاهرات.. والله غالب على أمره.