إما الصحافة وإما الحرية!
لو أردنا أن نُسوِّق للخطابات الديماغوجية ونحن نعيش اليوم العالمي لحرية الصحافة، فإننا سنرسم لوحة جميلة لواقع الإعلام عندنا، قد تتخللها بعض الألوان الباهتة، لكنها تظل في مجملها استثناء لا يعكّر جمال اللوحة الكبيرة..
-
سنقول ونحن نقرأ تفاصيل هذه اللوحة إن الجزائر عرفت قفزة نوعية في مجال حرية التعبير، وإن الصحف عندنا تخلصت من داء الرقابة، الذاتية والخارجية، وإن الصحفي يمارس مهنته في شفافية ووضوح، وإن السلطة الرابعة تحولت إلى سلطة فعلية تمارس حقها الحضاري في مراقبة تسيير دواليب الدولة وإعلام المواطن بكل صغيرة وكبيرة فيها. وقد يفتخر بعضنا بكون الصحافة الجزائرية قد حققت في سنوات ما لم يُحققه إخواننا العرب منذ عقود، بل قرون، نظرا لحجم الحريات الظاهرية المتاحة هنا، والمنعدمة هناك. لكنّ هذا الأسلوب في التعاطي مع الواقع يُعدُّ أسوأ من الواقع نفسه.
-
الغريب في علاقة الصحافة والإعلام بالنظام في الجزائر هو أن مسار التاريخ الذي يُفترض أن يسير قُدُما نحو الأمام محمّلا بإيجابيات كل مرحلة ومتجاوزا أخطاءها، لا يمتّ بأدنى صلة لمسار الواقع وعلاقته بالمتغيرات العالمية: ففي زمن الانفتاح والتقنية الرقمية يزداد تقلّص حجم الحريات المتاحة، وفي زمن الشفافية ونمو الوعي الجماهيري بأهمية الإعلام تتضاعف مساعي إحكام القبضة عليه وجعله أسيرا بين ريع الإشهار وسندان قانون العقوبات، وفي زمن ثورة الفضائيات تُصرُّ السلطة على إحكام قبضتها على التعددية الإعلامية وتستعيض عنها باستنساخ قنوات تحمل كل أعراض الاستنساخ التي لوحظت ذات سنة على النعجة “دوللّي”: تشوهات وأعراض شيخوخة مبكرة. وفي زمن تقدير الإعلام واحترام مكانته، تُصر السلطة عندنا على “احتقار” الإعلام واعتباره مجرد “طفيلي” يعيش على ريع الإشهار أو على ريع الولاء لهذه الفئة أو تلك.
-
ما يحدث في الصحافة عندنا لا يُمكن أن يُفهم بمعزل عن الأزمات الكثيرة التي تعيشها الجزائر، حيث تغيب معالم الشفافية ويخفت صوت المعارضة بكل أيديولوجياتها وأطيافها، ويتقلص أداء مؤسسات المجتمع المدني ليُختصر في حدود الطاعة والولاء، وتتبادل الأحزاب أداور المعارضة والموالاة، ولا أدل على غياب الحس الديمقراطي في الأحزاب الديمقراطية نفسها من الصراعات الرهيبة التي تشهدها بسبب غياب فقه التداول على السلطة وتشبث مؤسسيها بكراسيهم رغم أنهم رفعوا الديمقراطية شعارا، أصبح أشبه بقميص عثمان في هذه الأزمان.
-
إذا كان العالم يسير نحو الأمام، مرفقا بتجارب البشرية الكبيرة ونمو الوعي الجماهيري تجاه قضايا الوجود، فإننا في الجزائر نتقهقر إلى الخلف، في استجابة انعكاسية لاشرطية لمتغيرات التاريخ والأفكار والسياسات، ولهذا يبدو في هذا اليوم العالمي للصحافة حصادنا هزيلا، ليس في مستوى الإعلام فقط، وإنما على جميع المستويات، بدءا بالثقافة والسياسة، وانتهاء بالرياضة.