الرأي

إنها أزمة حضارة

محمد سليم قلالة
  • 3010
  • 0

ما‮ ‬يحدث الآن في‮ ‬الغرب،‮ ‬وفي‮ ‬فرنسا بالتحديد،‮ ‬من تصعيد للعنف،‮ ‬وما‮ ‬يحدث في‮ ‬الشرق من اقتتال دَموي‮ ‬غير محدود في‮ ‬كل مكان تقريبا،‮ ‬إنما هما عنوانان لأمرٍ‮ ‬واحد‮ ‬يمكن أن نُسمّيه بأزمة حضارة القرن الحادي‮ ‬والعشرين،‮ ‬حضارة عجزت عن إدارة تنوّعها،‮ ‬فحوَّلته إلى تناقضات،‮ ‬فصراعات،‮ ‬فنزاعات،‮ ‬فحروب‮ ‬غير محدودة،‮ ‬فإرهاب لا‮ ‬يمكن السيطرة عليه‮… ‬

حضارة أرادها البعض أن تقوم على منطق الإلغاء،‮ ‬منطق الأحادية،‮ ‬منطق العالم الواحد الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تسوده قيمٌ‮ ‬واحدة هي‮ ‬القيم الغربية،‮ ‬هي‮ ‬السامية وهي‮ ‬الصالحة للبشرية في‮ ‬كل مكان‮: ‬الديمقراطية هي‮ ‬أرقى أشكال التنظيم السياسي،‮ ‬ولا بديل عن الرأسمالية واقتصاد السوق في‮ ‬المجال الاقتصادي،‮ ‬وحقوق الانسان‮ ‬ينبغي‮ ‬ألا تخرج عن منظومة الحقوق التي‮ ‬نشأت وتطوّرت في‮ ‬نطاق خبرة الشعوب الغربية‮… ‬لا مكانة للآخرين في‮ ‬هذا العالم الذي‮ ‬يُفترض أن‮ ‬يَسعنا جميعا،‮ ‬ولا مكانة للتنوّع الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون أهمّ‮ ‬خاصية له‮… ‬كلّ‮ ‬شيء‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون على النمط الغربي،‮ ‬باعتباره‮ “‬نهاية التاريخ‮”.‬

هذا المنطق هو الذي‮ ‬دفع إلى إعلان الحرب على أكثر من بلد في‮ ‬العالم الإسلامي،‮ ‬من أفغانستان،‮ ‬إلى العراق إلى مالي‮ ‬ونيجيريا،‮ ‬وهو الذي‮ ‬حرّك أكثر من تدخل أجنبي‮ ‬في‮ ‬أكثر من بلد مسلم صغير،‮ ‬في‮ ‬القارات الخمس،‮ ‬من البوسنة إلى الصومال إلى السودان إلى اليمن،‮ ‬فليبيا فسوريا‮….‬

وهذا المنطق هو الذي‮ ‬كرّس احتلال فلسطين والقدس الشريف ـ عاصمة المسلمين العالميةـ ومنع أهلها من حقهم في‮ ‬العيش بسلام،‮ ‬بل أطلق عليهم صفة الإرهاب،‮ ‬عندما انتفضوا في‮ ‬غزة لأجل أن‮ ‬يعيشوا في‮ ‬وطنهم بعزة وكرامة‮.‬

هذا المنطق هو الذي‮ ‬مَنع العالم من أن‮ ‬يعرف توازنه وتنوّعه الطبيعي،‮ ‬ودفع به نحو الشذوذ،‮ ‬أي‮ ‬نحو الإرهاب‮.‬

لذا فإنه‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يتغيّر‮…‬

وليس هناك بديلٌ‮ ‬آخر‮ ‬غير اتفاق الإرادات المختلفة والسياسات الجادة على ضرورة تغيير العالم،‮ ‬وأن‮ “‬يكون القرن الحادي‮ ‬والعشرون روحيا أو لا‮ ‬يكون‮”‬،‮ ‬على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي‮ “‬أندري‮ ‬مالرو‮”‬،‮ ‬أي‮ ‬أن ننظر لمشكلاتنا الإنسانية والاقتصادية والسياسية والأمنية والبيئية من منظور قيم السلم والتسامح والتآخي‮ ‬والتكيّف وقَبول الآخر،‮ ‬لا من خلال قيم مركزية‮ ‬غربية،‮ ‬تسعى باستمرار لأن تكون الأعلى والأحق والأكثر قوة والأقدر على أن تسود على حساب الآخرين‮.‬

إن عالما متعددا‮ ‬يقوم على استعادة البعد الروحي‮ ‬بالمعنى الجمالي‮ ‬والإنساني‮ ‬والديني‮ ‬أيضا،‮ ‬هو وحده القادر على إخراجنا مما نحن فيه من أزمة حضارة،‮ ‬وما أفرزته من حروب وصراعات وإرهاب‮.‬

مقالات ذات صلة