إنها أزمة حضارة
ما يحدث الآن في الغرب، وفي فرنسا بالتحديد، من تصعيد للعنف، وما يحدث في الشرق من اقتتال دَموي غير محدود في كل مكان تقريبا، إنما هما عنوانان لأمرٍ واحد يمكن أن نُسمّيه بأزمة حضارة القرن الحادي والعشرين، حضارة عجزت عن إدارة تنوّعها، فحوَّلته إلى تناقضات، فصراعات، فنزاعات، فحروب غير محدودة، فإرهاب لا يمكن السيطرة عليه…
حضارة أرادها البعض أن تقوم على منطق الإلغاء، منطق الأحادية، منطق العالم الواحد الذي ينبغي أن تسوده قيمٌ واحدة هي القيم الغربية، هي السامية وهي الصالحة للبشرية في كل مكان: الديمقراطية هي أرقى أشكال التنظيم السياسي، ولا بديل عن الرأسمالية واقتصاد السوق في المجال الاقتصادي، وحقوق الانسان ينبغي ألا تخرج عن منظومة الحقوق التي نشأت وتطوّرت في نطاق خبرة الشعوب الغربية… لا مكانة للآخرين في هذا العالم الذي يُفترض أن يَسعنا جميعا، ولا مكانة للتنوّع الذي ينبغي أن يكون أهمّ خاصية له… كلّ شيء ينبغي أن يكون على النمط الغربي، باعتباره “نهاية التاريخ”.
هذا المنطق هو الذي دفع إلى إعلان الحرب على أكثر من بلد في العالم الإسلامي، من أفغانستان، إلى العراق إلى مالي ونيجيريا، وهو الذي حرّك أكثر من تدخل أجنبي في أكثر من بلد مسلم صغير، في القارات الخمس، من البوسنة إلى الصومال إلى السودان إلى اليمن، فليبيا فسوريا….
وهذا المنطق هو الذي كرّس احتلال فلسطين والقدس الشريف ـ عاصمة المسلمين العالميةـ ومنع أهلها من حقهم في العيش بسلام، بل أطلق عليهم صفة الإرهاب، عندما انتفضوا في غزة لأجل أن يعيشوا في وطنهم بعزة وكرامة.
هذا المنطق هو الذي مَنع العالم من أن يعرف توازنه وتنوّعه الطبيعي، ودفع به نحو الشذوذ، أي نحو الإرهاب.
لذا فإنه ينبغي أن يتغيّر…
وليس هناك بديلٌ آخر غير اتفاق الإرادات المختلفة والسياسات الجادة على ضرورة تغيير العالم، وأن “يكون القرن الحادي والعشرون روحيا أو لا يكون”، على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي “أندري مالرو”، أي أن ننظر لمشكلاتنا الإنسانية والاقتصادية والسياسية والأمنية والبيئية من منظور قيم السلم والتسامح والتآخي والتكيّف وقَبول الآخر، لا من خلال قيم مركزية غربية، تسعى باستمرار لأن تكون الأعلى والأحق والأكثر قوة والأقدر على أن تسود على حساب الآخرين.
إن عالما متعددا يقوم على استعادة البعد الروحي بالمعنى الجمالي والإنساني والديني أيضا، هو وحده القادر على إخراجنا مما نحن فيه من أزمة حضارة، وما أفرزته من حروب وصراعات وإرهاب.