-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جهاد النّفس: واجب العمر الذي نسيناه!

سلطان بركاني
  • 27
  • 0
جهاد النّفس: واجب العمر الذي نسيناه!

ما من مسلم يملك ولو حدّا أدنى من الاهتمام بقضايا دينه وأمّته، إلا ويشعر أنّ زماننا هذا ربّما يكون هو الزّمان الذي تنقلب فيه المفاهيم وتختل الموازين، وتشتدّ فيه غربة الدّين، حتى يُبغَض التديّن ويُعادَى كلّ من يلزم حدود دينه؛ وقد جاء في بعض الآثار أنّ عبودية الدّنيا تحمل النّاس على تقديس أهلها ومعاداة كلّ من يعظهم فيها ويذكّرهم بحقيقتها؛ ففي الأثر قيل: “لتُحبّبنّ إليكم الدّنيا، حتى تتعبّدوا لها ولأهلها، وليأتينّكم زمان تُكره فيه الموعظة، وحتّى يختفي المؤمن بإيمانه كما يختفي الفاجر بفجوره، وحتّى يعيَّر المؤمن بإيمانه كما يعيّر الفاجر بفجوره”، وفي أثر آخر، قيل: “يوشك إن طالت بكم حياة أن تروا الرجل قد قرأ القرآن على لسان محمد -صـلى الله عليه وسلم- فأحلّ حلاله، وحرم حرامه، ونزل عند منازله، لا يحوز فيكم إلا كما يحوز رأس الحمار الميت”!
ونحن إن لم نكن قد بلغنا هذا الزّمان، فإنّنا نتّجه نحوه بسرعة رهيبة مخيفة… كيف لا ونحن نرى حالنا مع أنفسنا “الأمّارة بالسّوء”؛ هذه النّفوس التي حذّرنا مولانا العليم الخبير من أهوائها ودواغلها وشرورها، حتى كان نبيّه المصطفى –صلّى الله عليه وسلّم- لا يخطب خطبة إلا قال في مقدّمها: “ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا، وسيئاتِ أعمالنا”، وعلّم كلّ مسلم أن يقول كلّ يوم في الصّباح وعند النّوم: “أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه”… أمرنا مولانا العليم الخبير بأن نخالف هوى هذه الأنفس التي ابتلانا بها ونعصي أمرها ونجاهدها في الله ونتعب معها حتّى تستقيم على طاعته سبحانه، فقال –جلّ من قائل-: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)).
لكنّنا -إلا من رحم الله منّا- أطعنا أنفسنا واتّبعنا هواها وأحببناها وأعلنّا معها هدنة طويلة الأمد، وصار الواحد منّا إذا تحدّث عن نفسه، كأنّه يتحدّث عن نبيّ معصوم أو ملك مقرّب! يدافع عنها بكلّ شراسة ويعادي كلّ من يحاول أن ينتقصها… صار الواحد منّا يكره أشدّ الكره أن يعاتب أو يقال له إنّك مخطئ. أمّا إذا قيل له: يا فلان اتّق الله، فإنّه يستشيط غضبا وينتفض كالملدوغ! ولأجل أن يُسكِت في نفسه كلّ تأنيب أو وازع، فإنّه يشغلها بإحصاء عيوب الآخرين وغيبتهم وعيبهم وانتقاصهم؛ فالنّاس من حوله كلّهم معوجّون وهو وحده المستقيم، والنّاس كلّهم من حوله شياطين، وهو بينهم الملك الكريم الذي لا يظلم ولا يعتدي ولا يقترف محرّما ولا يقصّر في واجب! أمّا فاكهته المفضّلة، فهو يجدها عندما يتكلّم في المصلحين ويسلقهم بلسانه ويشكّك في دينهم، بعد أن يكون بغضهم قد تمكّن من قلبه، لا لشيء إلا لأنّهم يذكّرونه بتقصيره وتفريطه، وهو لا يريد أن يعترف بأنّ نفسه أمّارة بالسّوء وغارقة في الغفلة والتفريط، ويذكّرونه بأنّ هناك موتا وحسابا، وهو يريد أن يعيش حياته بطولها وعرضها، ويحدّثونه عن الحلال والحرام وهو لا يحبّ سماع كلمة “حرام”!
هذه واحدة من أعظم البلايا التي نعيشها في هذا الزّمان، ونتعامى عنها ونبحث عن الخلل في مواطن أخرى… البلية أنّنا نسينا أنّ هناك واجبا من أعظم واجبات العمر، هو مجاهدة النّفس وتربيتها وتأديبها وتهذيبها وتنظيفها… والقاصمة أنّنا نستثقل كلّ كلام في هذا الموضوع، وكلّ واحد منّا تقنعه نفسه بأنّه غير معنيّ به! بينما الحقيقة أنّه لا أحد يستغني عن مجاهدة نفسه. يروى أنّ صحابيّ رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- عبد الله بن عمر –رضـي الله عنه- سأله أحد التابعين عن الجهاد والغزو، في غير أيامه، فقال له: “ابدأ بنفسك فجاهدها، وابدأ بنفسك فاغزها”… فيا الله! النّفس تحتاج إلى غزو، شأنها شأن العدوّ المحارب! يقول يحيى بن معاذ الرازي –رحمه الله-: “أعداء الإنسان ثلاثة: دنياه، وشيطانه، ونفسه؛ فاحترس من الدنيا بالزهد فيها، ومن الشيطان بمخالفته، ومن النفس بترك الشهوات”. ويقول الحسن البصريّ -رحمه الله-: “ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام من نفسك”.
هكذا كان الصّالحون يتعلّمون منذ نعومة أظافرهم أنّ هناك مشروعا مهمّا في حياتهم، هو مجاهدة النّفس، لذلك زكت أنفسهم ولانت قلوبهم وارتقت أرواحهم… بخلافنا نحن في هذا الزّمان، رضينا عن أنفسنا ووادعناها وهادنّاها وصاحبناها وأحببناها، وعشنا حياتنا نلهث خلف رغباتها وشهواتها… بل إنّ تلبية رغبات النّفس وتحقيق مطالبها غدَا أهمّ مشروع يحمله كثير منّا. أصبحنا نرى أنّ أنفسنا يجب أن تدلّل، وتزال كلّ العوائق من طريقها!
كبرت الدّنيا في عيوننا، وعمّ التنافس فيها بيننا، وأحبّتها نفوسنا وتعلّقت بها، حتّى صرنا في تعاملنا مع الدّنيا ومع أنفسنا العاشقة لها، لا تختلف حالنا كثيرا عن حال قوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر! تبدأ المشكلة من الصغر حينما نربّي أبناءنا على أنّ مطالبهم مقدّسة وأنّ علينا أن نفني أعمارنا في تلبيتها كلّها، حتى لو أدّى ذلك إلى إفساد دينهم ودنياهم وحتى صحتهم! وتستمرّ المشكلة في مرحلة الشّباب، حيث يبرّر انحراف الشّابّ بالقول إنّه يعيش فترة المراهقة، وينظر إلى “مرحلة الشّباب” على أنّها المرحلة التي يدلّل فيها الشّابّ نفسه ويتماهى مع كلّ رغباتها وشهواتها، والحجّة دائما: “دعه يعيش حياته”، ولا ندري أنّ مرادف ذلك في الواقع هو “اتركه يغرق في شهواته”! وهكذا حتى يجد العبد نفسه قد بلغ سنّ الكهولة، فيفجأ بنفسه قد مردت على الشهوات، على الرّاحة، على التثاقل في أداء الواجبات، فيصبح جهاد النّفس أصعب عليه من جهاد اليهود والنصارى.
والنّفس من طبعها أنّها تعتاد الأجواء التي تعيش فيها، وتألفها، وكلّما طال عليها الأمد ازدادت تعلقا بها، حتى ترى أنّه لا حياة لها من دونها! وحتى تصل إلى مرحلة يفسد فيها مزاجها، ويصبح الحقّ ثقيلا عليها والباطل خفيفا، والحلال مرّا والحرام حلوا! وفي هذه المرحلة تكون النّفس قد دُسّت، بسبب أنّ صاحبها كان يظنّ أنّه بموافقتها يسير بها إلى طريق السّعادة!
كثير من النّاس يظنّ أنّ منتهى السعادة في أن توفَّر للنّفس كلّ حاجاتها، وتلبّى كلّ رغباتها… بينما الحقيقة أنّ أسعد حياة وأمتعها وأهنأها هي الحياة التي يقنع فيها العبد نفسه أنّ لها حدودا لا يسمح لها بتجاوزها، وأنّ عليها حقوقا يجب عليها أداؤها، وواجبات يجب عليها القيام بها في وقتها من دون تأخير أو مماطلة… ألذّ لحظات الحياة حين يحسّ العبد بانتصاره على نفسه، بأن يجدها قد استسلمت له في خير أقامها له، أو انتهت عن شرّ نهاها عنه… جنّة الدّنيا في الانتصار على النّفس وإخضاعها، يقول الله –تعالى-: ((وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى))، والجنّة هنا ليست جنّة الآخرة فقط، إنّما هي قبل ذلك جنّة الدّنيا التي يدخلها من يجاهد نفسه ويربّيها وينظّفها حتّى تتحوّل من نفس أمّارة بالسّوء إلى نفس لوّامة، ثمّ نفس مطمئنّة.
السّعادة في أن يكون العبد صريحا مع نفسه، صارما معها، مفتّشا عن عيوبها؛ كلّما ظهر له من نفسه عيب وضعه نصب عينيه وأحصاه وكتبه، وبدأ في مجاهدة نفسه على إصلاحه. وكلّما رأى في نفسه نجاسة تأهّب لغسلها وإزالتها. فهو يحرص على طهارة نفسه وقلبه أشدّ من حرصه على طهارة وجهه وثوبه، لأنّ المخلوقين ينظرون منه إلى الوجه والثّوب، والخالق سبحانه ينظر إلى النّفس والقلب.
السّعادة في أن ينشغل العبد بعيوب نفسه عن عيوب الآخرين؛ لا يرى في أحد من خلق الله عيبا إلا توقّف ليفتّش أولا في نفسه عن ذلك العيب، فإن لم يجده حمد الله، وإن وجده تواضع لله ورحم عباد الله وفكّر كيف يصلح ذلك العيب. لأنّه يدرك جيّدا أنّه إن لم يهتمّ بعيوب نفسه ليصلحها، لن يجد مخلوقا آخر يصلحها له، لا أبوه ولا أمّه ولا زوجته ولا ابنه ولا صديقه. أصدق الأصدقاء قد يطلعه على عيبه وينصحه بإصلاحه، لكنّه لن يصلحه له… إذا كانت نفس العبد مدمنة للشّهوات متثاقلة عن الطّاعات، غافلة كسولة، تعشق الهزل واللغو وتكره الجدّ والموعظة، فلا أحد في الغالب سيعلم منها ذلك غير صاحبها، والنّاس من حوله قد يحسنون به الظنّ ويحسبونه عبدا صالحا حياته منظّمة، بينما الحقيقة أنّه بخلاف ذلك تماما! ((بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه)).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!