إنها ثورة أخلاقية
أكّدنا أكثر من مرة أننا إزاء ثورة كاملة الأركان، وبعد مائة يوم من انطلاقتها، نستطيع القول إن الثورة في فلسطين تسجّل ملامحها فعلا يوميا مدوّيا، لا يمكن أن تكتمه وسائل الإعلام المنصرفة إلى ما هو دون، وسطحي. إنها ثورة على منظومة فهم ومنظومة قيم ومنظومة سلوك كما أنها ثورة على وجود الكيان الصهيوني جملة.. فهي انقلابٌ جذري في الفهم والتعاطي والأسلوب والهدف.
عملية الخليل أمس، وعملية بيت فوريك في أوائل شهر أكتوبر الفائت التي استثنى فيها المجاهدون الأطفال من القتل، كما عشرات العمليات التي قامت بها طلائع الشباب الفلسطيني في نابلس والقدس وأماكن المواجهات، تعطي ملمحا بارزا في ثورة الشعب الفلسطيني بطبعتها الأخيرة. إنه البعد الإنساني وحرصها على الجانب الأخلاقي حتى لو كلفها الأمر مزيدا من العناء لتقول بوضوح: إننا لسنا يائسين ولا حاقدين ولا نقوم بردات فعل مؤقتة ولا نريد القتل لأنه قتل، إنما نقوم بفعل حضاري ناضج ممتلئ يقينا ووعيا يتناسب مع فلسطين رسالة ورباطا وتكسير أركان الكيان الصهيوني ولتدميره.. فكان أن نفذ الفدائي الفلسطيني عمليته بالسكين ضدّ مستوطِنة غاصبة مسلحة بالجريمة ولكنه ترك أبناءها أحياء رغم ما يقترفه المستوطنون من حرق لأسر فلسطينية بأطفالها ورغم ما يقوم به المستوطنون من اعتداءات على كل عناصر الحياة في المجتمع الفلسطيني.
في هذه الثورة جهاد الفلسطيني سري واستشهاده علني.. لا يستطيع كل جهاز الأمن الصهيوني بفروعه وأتباعه وأصدقائه وعملائه أن يكتشف الفدائي قبل استشهاده.. وهنا بُعد أخلاقي في غاية الأهمية يكشف أيضا عن وعي عميق بطبيعة المعركة بين الشعب الفلسطيني والكيان الصهيوني.. إنها معركة طويلة الأمد وينبغي أن يتسلح الفدائيون الفلسطينيون فيها بالسرية إلى أقصى مدى، وهنا إسقاطٌ آخر لمنطق التبهرج والتمظهر الذي ابتليت به ساحة الفعل الوطني في سنوات عجاف قدمت المتأخرين وأخّرت المتقدمين.. فجاء الفعل الفدائي العظيم في ثورة القدس بعيدا عن البهرجة والتنفع وانتفاخ الاوداج.. بل عمل جريء وهادئ وحضاري وفاعل ومؤثر بقوة.
وفي هذه الثورة، تميز الشباب بمناقبية عالية ترتقي إلى طهر الأقصى وبركة القدس الشريف.. وهي هكذا تختصر المسافات وتفتح القنوات لكل فعل حقيقي عربي وإسلامي وإنساني لتقديم العون والسند لشعب يتمسك بحقه في وطنه ويناضل بكل ما يستطيع لإزاحة الكيان الصهيوني العنصري من الحياة.
أجل، إنها ثورة أخلاقية، وأهم عناصر الأخلاق المتجسدة فيها هو تحديد الهدف وهو فلسطين، وهذا يعني بوضوح أن هذه الثورة تعلي من شأن العدل والحق كقيمة إنسانية عليا؛ فالعدل في حل القضية الفلسطينية لا يبتعد قيد أنملة عن استعادة كامل فلسطين وتبديد العنصرية الصهيونية.. والحق لا يتجزأ.. يدرك هؤلاء الأبطال أن الخلل الذي يبدأ في دائرة اليقين ينتهي بكارثة على المستوى العملي.. يدرك هؤلاء الشباب أن فلسطين لا تقبل قسمة ولا تسويات لأنها أكبر من جيل من الأجيال وأكبر من شعب من الشعوب، إنها تخص الإنسانية جمعاء والتاريخ كله لأنها في جوهرها حربٌ على العنصرية والشرّ والظلم والجريمة.
ولأن الثورة العظيمة المندلعة في فلسطين تتجه بالشعب إلى كل فلسطين، فإنه لم يكن مُناسبا لها أن تفتح دوائر تناقضات ثانوية أو أن تحرك في دائرة الاختلافات، بل هي تتجاوز ذلك كله نحو الفعل المباشر في الساحة الوحيدة ضد العدو المركزي بقوة واقتدار راسمة للمجموعة سبيل الكرامة بود وحب ورحمة.. تولانا الله برحمته.