إنها.. نهاية لا إنسانية السياسة!
أكثر ما بدا جلِيًّا جَرَّاء هذا الوباء أننا اليوم في حاجة إلى إنسانية أكثر. إلى بُعدٍ آخر غير مادي في علاقاتنا الاجتماعية، إلى إعادة النظر في واقعنا السياسي والاقتصادي من منظور قيم أخرى غير تلك النفعية والبراغماتية التي كادت تطغى على حياة الناس في الزمن القريب الماضي.
بالفعل لقد بلغنا في العقدين الأخيرين درجة من المادية لم نَعُد معها نَقيس علاقاتنا السياسية والاقتصادية، بل حتى الاجتماعية والأسرية، إلا من خلال مفهومي الربح والخسارة… كثيرة هي العلاقات غير الطبيعية التي نشأت بين الناس والقِوى الاجتماعية المختلفة نتيجة اتفاق ضمني يكاد يكون جماعيا، أنَّ المصلحة المادية تعلو على كل مصلحة أخرى وتُبرِّر كل سلوك…
ولعلنا لاحظنا كيف كاد موضوع المادة يُصبِح جوهر مشكلاتنا المختلفة، وكيف دانت له الأمور، وكيف هرع الكثير باحثين عن المال، ومنهم مَن لم يتردد في اللجوء إلى الطرق غير المشروعة لتحقيق ذلك… وكيف أننا لم نَصْحُ من غفلتنا إلا والجوهر الإنساني في علاقاتنا يتقلص ويضمحل، إلا ونحن نفقد تدريجيا ذلك المحتوى الروحي والأخلاقي والقيمي لوجودنا… وتجلى ذلك بصورة أوضح في حياتنا السياسية، حيث فقدت كل بعد إنساني، وتدحرجت القيم فيها إلى مستويات دنيا، ولم تعد هناك من مُثُلٍ عليا يتم الانطلاق منها والدفاع عنها لممارسة أي نشاط سياسي. كل شيء مباح لأجل الوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.. لا تهم أحوال الناس وآلامهم وأحزانهم، لا دور للكادحين في الممارسة السياسية، لا قيمة للفئات الهشة في معادلة ممارسة السلطة، لا وزن للإنسان كإنسان أمام أصحاب المال والجاه والنفوذ والمادة… لا إنسانية في السياسة…
وكدنا في لحظة معينة أن نعتقد أن هذه الحال لا رجعة فيها، وأن البشرية جمعاء لا محالة على نفس المنوال… حتى إذا ما حل بنا هذا الوباء، ووجدنا أنفسنا في لحظة معينة بلا حول ولا قوة أمام عدو غير مرئي يمكنه أن يفتك بنا كما يُريد، انتبهنا أنه علينا مراجعة كل الحسابات…
أنه لا يمكن لنا سوى أن نُعيد للإنسان كرامته. أنَّ جوهر العمل السياسي هو عدم امتهان كرامة الانسان، أن أساس البقاء في هذا الكون، وليس فقط في ممارسة السلطة أو حكم الناس، هو إعادة الاعتبار للإنسان كقيمة وكوجود وكعلاقات اجتماعية.
لذا فإنه لِزاما علينا إذا أردنا الاستفادة من درس “كورونا”، أن نتوقف عن أي ممارسة من شأنها امتهان كرامة الانسان، وأن نعيد لكل ذي حق حقه، وأن ننسى أنه يُمكِن للمادة أو القوة أو العنف، إقامة أي سلطة محلية أو دولية أو الحفاظ عليها.
لن يكون لغير الإنسانيين مكانة في المستقبل، إذ مهما بلغت قوة الأقوياء وجبروتهم، ومهما تراكمت أموالهم، لن يفلحوا، كما لم يفلحوا، في هزيمة فيروس مهين… فكيف بهزيمة إنسانية الإنسان؟