الرأي

إن جيئكم نبأٌ فتبيَّنُوا

لستُ من هواة قراءة المذكّرات، إلا أن تكون مذكّرات ليست كالمذكّرات، وهذا لا يتأتّى إلا إن كان صاحبُها ليس كأحد من الناس، وأن لا يكون ممّن مرَّ في التاريخ كأن لم يمرّ، أو مرّ فيه كلمح بالبصر، وإن أوهم الناسَ أنه كان في التاريخ كالشمس أو القمر، وما هو إلا كالشجر الذي ليس ثمر، ويزيدني زهدا على زهد إن كانت هذه المذكّرات مما لم يكتبها صاحبُها، ولم تكن له الشجاعة فينشرها في حياته ليتمكّن معاصرو تلك المذكرات من التعليق عليها ليعلم إن كان ما جاء فيها من أخبار من الصدق، أو يُدرَج فيما قيل فيه:

ما كلُّ ما قيل كما قيلا     فقد مارس الناسُ الأباطيلا

وأذكر بهذه المناسبة أنني كنت أتردَّد على الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي عندما كان يُعِدُّ الجزءَ الأول من مذكراته للنشر، وكان من أمانيه يمتدّ عمر أحمد ابن بلة حتى تصدر -وفيها بعض مثالب ابن بلة – فيتسنى له الجدالُ عن نفسه، ولو بالباطل، وقد صدر ذلك الجزءُ ولم يعلق عليه أحمد ابن بلة ولو بكلمة.

هتف إليَّ الدكتور محمد أرزقي فرّاد في يوم الثلاثاء الماضي، وبعد الاطمئنان عن الأحوال سألني إن كنت قرأتُ مذكرات ابن طبال، فنفيت ذلك، ثم سألني عمّا جاء فيها من أنّ الإمام محمد البشير الإبراهيمي “كان ماسونيا”.

ضحكتُ حتى بدت ضرسة العقل مني، وقلت: أزعمُ أنني من أكثر الناس إلماما بتراث الإمام الإبراهيمي، وتشرّفت بالاشتراك في جمع آثاره وقرأت كثيرا من الدراسات عن فكره، وخالطت كثيرا ممن عرفوه ظعنا وإقامة، وما منهم إلا له مقامٌ معلوم، فما منهم من أحدٍ قال هذا إلا أن يكون من “طيابات الحمّام” كما كان يردّد “عبد القادر المالي”… أو من “علماء القهاوي” كما يقول الشيخ أبو يعلى الزواوي.

أجزم أن بن طبال لم يقرأ جملة واحدة مما كتب الإمامُ الإبراهيمي، وإن قدِّر له أن “هجَّاها” أو سمعها، فأجزم مرة أخرى أنه لم يفهمها، وأنّى له ذلك.

كان الأستاذُ مالك ابن نبي يقول إنّ خبراء الصراع الفكري في العالم الإسلامي عندما ينزعجون من أفكار شخص وأعماله يحاولون أن يُحدثوا “فراغا” حولها، أو يضعوا “حبة رمل في المحرك” حتى لا يتأثر الناسُ بفكره السليم وعمله الصالح، ولكنهم ينسون أن “الزبد يذهب جُفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

إن هذا بالضبط هو ما أتُّهِم به المصلحون من قَبل الإمام الإبراهيمي، كالأمير عبد القادر، وجمال الدين الأفغاني، والشيخ طاهر الجزائري… وغيرهم.

إن المذكّرات “شهادة”، وهي شرعا، لا تُقبل ولا تَصحّ إلا من “عُدول”؛ أي غير المجروحين بأيِّ علة من علل الجرح، ويكفي ابن طبال “جرحا” ضلوعه في إزهاق نفس هي نفس المناضل رمضان عبان.. إذا كان أكثرُ المحامين يدافعون عن الناس، وقد لا يكونون أبرياء، فإنّ الله -عز وجلّ- أكّد أنه “يدافع عن الذين آمنوا” وأن يجعل لهم وُدًّا، ولا يرتاب الصالحون في أن الإبراهيمي منهم.

مقالات ذات صلة