الرأي

إيران ستعوض “خسائر” أمريكا!

يقولون إن الحرب هي أهم حقل لتفريخ النُّكت، فإذا كان شرّ البلية ما يُضحك، فلا نظن أن في الدنيا أكثر شرا من الحروب، فالمهزوم عندما تجف دموعه لا يجد غير التنكيت، والمنتصر من شدة أفراحه يُنكّت، أما الذين يُحاصَرون بين الهدنة وحرب الاستنزاف، فإن النكت عندهم تتغلب على الأفكار والأفعال، فيصبح كلما قال أحدهم أضحك، بل وأثار القهقهة.
لو قدِّر لسكريتير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن يجمع “سقطات” قائد البيت الأبيض خلال كلامه منذ بداية الحرب على إيران، لضَمِن أطرف كتاب في تاريخ البشرية؛ فالرجل الذي بلغ ثمانين حولا، ولا أبا له يسأم، من كثرة ما يقول، ومن كثرة ما نكّت صار قليلون جدا يلتفتون إلى خطاباته التي لا تنتهي، ولعل كلامه عن مطالبته إيران قريبا، بتعويض الولايات المتحدة الأمريكية عن ملايير الدولارات التي أنفقتها أمريكا في حربها على إيران، هي طُرفة تشبه مقطعا من فيلم للزعيم عادل إمام اشتكى فيه شابا ضربه بوجهه على كفه، وتشبه أيضا الذين يطالبون الجزائر بتعويض ما يسمى “ممتلكات المعمرين” ومنهم اليهود الذين تركوها وفرّوا بعد الاستقلال.
يقدِّم الرئيس الأمريكي منذ توليه الحكم في عهدته الثانية لأن الأولى غرقت في جائحة كورونا، يقدِّم عرضا سياسيا نادرا، فهو يقول –ولا نظنه مقتنعا بما يقول– إنه في حروبه في الشرق الأوسط، إنما يدافع عن العالم وعن أوربا ودول الخليج العربي، ويطلب منهم دفع ثمن الخدمة ومخاطرها، وينتقل الآن في عرضه السياسي إلى طلب التعويض من ضحيته، وأكيد أن لهذا العرض فصولا أخرى.
دخل العالم منذ الإعلان عن إبادة الشعب الفلسطيني، في نفق يختلف عن كل الأنفاق التي أدخلته الحروب في متاهاتها، بما في ذلك الحرب العالمية الثانية، أمام مجتمع دولي لا يطبّق “نفسي نفسي”، لأنه يعلم بأن دوره قادم، ليس بالضرورة عسكريا أو اقتصاديا، وإنما من حيث تفريغه من ضميره، وجعله يقبل ويبارك ما يحدث من حوله، ويدعمه بالمال طبعا.
والرجل الذي قال إنه سيحسب بدقة خسائر بلاده في الحرب على إيران، ويقدِّم لضحيته فاتورة غير قابلة لتأخير موعد دفعها، إنما بلغ هذا المستوى من التفكير والثقة بنفسه منذ أن تحدى كل الأعراف الدولية ومنها استقبال في بيته الأبيض، للمدانين بجرائم حرب من محكمة العدل الدولية، واختطاف رئيس دولة لا أحد يعرف مصيره.
تمرُّ ستون سنة عن إطلاق هوليوود أشهر أفلام الوسترن على الإطلاق، “الطيب والشرس والقبيح”، وجسّد مبدعو التمثيل “كلينت إيستوود” و”لي فان كليف” و”إيلي والاش” قمة الوقاحة والأنانية والنرجسية والخيانة والنذالة، فكان الفيلم يرفع سقف “الشيطنة” أو ينزلها إلى الحضيض، ومع ذلك، فإن ما يحدث في الحروب الأخيرة، فاق خيال الكاتب الإيطالي لونتشيانو فينشينزوني مبدع فيلم “الطيب والشرس والقبيح”.

مقالات ذات صلة