إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ
من مفارقات هذا الزّمان، أنّ الغرب يبدع في علوم المادّة ويخترع ويطوّر ويغزو الفضاء ويسبر أغوار الكون ويسير في الأرض ويبحث في باطنها ويغوص في البحار ليكتشف مكنوناتها، لكنّه من الناحية العقائدية والأخلاقية يهوي في منحدر سحيق لم تكن البشرية في القرون الماضية تتصوّر ولا تتوقّع أن يهوي فيه البشر.. والمفارقة الأكبر من هذه، أنّ كثيرا من المسلمين يسيرون خلف الغرب شبرا بشبر وذراعا بذراع، ليس في اهتمامه بالعلوم والاختراعات، لكن في انحداره العقائدي والأخلاقي وهويه إلى درك تتنزّه عنه الحيوانات؛ يمدحون اختراعات الغرب وتطوره العلميّ، لكنّهم لا يقلّدونه إلا في انحطاطه العقائدي وسفله الأخلاقي، كالذي يمدح وفاء الكلب ثمّ يقلّده في نباحه.
مؤسف حقيقة أن ينظر بعض المسلمين إلى الانحدار العقائديّ والأخلاقيّ عند الغرب على أنّه حضارة تستحقّ أن تستورد وثقافة تُغري كلّ محتذٍ.. مؤسف حدّ الأسى أن يوجد في أمّة الإسلام من يقلّد النّصارى في الاحتفال بميلاد ابن الربّ الذي تجسّد في صورة بشر، تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوا كبيرا.. بلية تتقطّع لها القلوب الحية أن يوجد بين المسلمين في بلاد الإسلام من يبيع شجيرات الميلاد و”لابيش” ودمى البابا نويل، ويوجد بين المسلمين من يتزاحمون على شرائها، في الأيام الأخيرة من كلّ عام ميلاديّ.. مسلمون يشهدون أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله يتعاملون مع شعائر الإسلام ببرودة عجيبة، ولا تسمع منهم في الأعياد الإسلامية إلا قولهم: “بأيّ حال عدت يا عيد”! ولا ترى منهم إلا التقتير والبخل في الإنفاق في هذه الأعياد، لكنّهم عندما يتعلّق الأمر بأعياد غير المسلمين يظهرون الفرح ويتبادلون بطاقات التهنئة، وربّما يحتفلون بكلّ بذخ وينفقون نفقة من لا يخشى الفقر!
مؤسف حدّ القهر، أن تنشط حانات بيع الخمور في بلاد المسلمين في الأيام الأخيرة من كلّ سنة ميلادية وتتضاعف مبيعاتها أضعافا كثيرة، حتّى في أوقات الأزمات وأيام الغلاء والوباء! صحيح أنّ من يرتادون هذه الحانات ويحتفلون في ليلة الميلاد وليلة رأس السّنة بمعاقرة الخمر أغلبهم من المنسلخين والمتشبّعين بالثقافة الغربية، لكنّ وجود هذه الظّاهرة في ديار الإسلام يدلّ على نكسة تستحقّ أن تعلن لأجلها حالة الاستنفار.
مصيبة عظيمة أن ينزل بعض المسلمين إلى درك الاحتفال بأعياد النّصارى المشركين، ليحقّ فيهم قول الحبيب المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم-: “لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر، وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوه: اليهود والنّصارى” (البخاري ومسلم).. والمصيبة الأعظم منها أن ينتدب بعض المنتسبين إلى العلم لتبرير هذا الانحدار، فها هي مصر الأزهر -مثلا- تَصدر فيها الفتاوى تباعا تبيح الاحتفال بيوم ميلاد ابن الربّ تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيرا، وتجيز للمسلمين أن يهنئوا النّصارى بشركهم، بعد أن كان هذا الاحتفال ممّا أجمع على تحريمه في عقود مضت!
أين هؤلاء العلماء من قول الله عزّ وجلّ: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)) (المائدة)؟ أين هم من قوله تقدّست أسماؤه: ((وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا)) (مريم)؟ أين هم من قول الله تعالى -كما في الحديث القدسيّ-: “يَشْتِمُنِي ابنُ آدَمَ، وما يَنْبَغِي له أنْ يَشْتِمَنِي، ويُكَذِّبُنِي وما يَنْبَغِي له، أمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إنَّ لي ولَدًا، وأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: ليسَ يُعِيدُنِي كما بَدَأَنِي” (صحيح البخاري)؟
القضية قضية دين وعقيدة، وينبغي للمسلم أن يحذر من الاستهانة بكلّ قول أو فعل قد يحبط به عمله؛ “الميلاد” من أعياد النّصارى الدينيّة التي تدلّ على انحراف عقيدتهم وسفه عقولهم، وليس من العادات، واحتفال المسلم به يتضمّن إقرارا بعقيدة المشركين في نبيّ الله عيسى عليه السّلام، وفي الله الواحد الأحد، وتكثيرا لسواد الباطل، ولا تنفع معه النية السليمة، والمسلم الذي يخشى الله واليوم يكفيه قول الله جلّ وعلا: ((وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا)) (النّساء: 140) رادعا، وقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم “من تشبّه بقوم فهو منهم” زاجرا.