-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ابن باديس المشروع.. وفوضوية الإسلاميين!

صالح عوض
  • 1758
  • 0
ابن باديس المشروع.. وفوضوية الإسلاميين!

أقف مدهوشا لعدم استفادة العاملين من اجل التمكين للإسلام من تجربة هذا المجدد الكبير والعالم المتميز في نهضتنا المعاصرة.. وتزيد حيرتي وانا اجد الجميع من العاملين في حقل الدعوة الاسلامية تغيب عنهم حقائق اولية وبديهيات هذا الميدان.. ومن هنا أجد لزاما على كل غيور في الامة ان يبرز العناصر الاساسية لمهمة الاصلاح.. ان تجربة ابن باديس تجيب بوضوح على تساؤلات محيرة حول فشل الاسلاميين اليوم..

يتفق كل من كان له نصيب من دراسة لأثار العلامة ابن باديس انه رجل علمي منهجي.. وعالم دين اصلاحي فسر القرآن والموطّأ وناقش في الفقه والعقائد.. وكاتبٌ في المجتمع والتاريخ وصحفي يحيط بالواقع ويكشف خباياه.. ومُربٍ معظّم للقيم ومعلم ناجح.. كما كان مجتهدا دينيا وفقيها.. وكان قائدا سياسيا وزعيما شعبيا يجيد مخاطبة الناس خطيبا مبينا.. وكان كذلك مؤسس جمعية ومنشآت ثقافية واجتماعية.. وكل ذلك ضمن سياق رؤيته المنهجية في العمل الهادف في سلسلة من الأهداف المتطورة.. وهنا كانت القضية الجزائرية والملف الجزائري بكل تفاصيله مقروءا بوضوح لديه كأنما يقرأ في كتاب كما قال صديقه الإبراهيمي.. فكما انه تزود بالعلم الشرعي والمنهج القرآني في التحليل والرؤية وضبط منظومة القيم والمفاهيم – وهذا ما لم يهتم له العاملون اليوم في الأحزاب الاسلامية – تزود كذلك بمعرفة تفصيلية عميقة للشأن الجزائري الثقافية والاجتماعية والسياسية ورتبها الاولى فالاولى، وعلى ارضية ذلك جميعه حدّد مشروعه.

مشروع ابن باديس يبدأ من الخاص وعينه على العام او ينظر الى العام ويبدا بخطوته الواقعية في الخاص.. وهو يدرك أثر الخاص على العام والعكس صحيح.. ولانه صاحب مشروع كان لا بدّ عليه من تحديد خطواته ومراحل عمله والتدقيق في ادواته وترتيب افكاره واشخاصه واشيائه ترتيبا منسقا وادارة ذلك كله باتقان وفاعلية..

من هنا يمكن النظر الى مشروع ابن باديس الاستراتيجي انطلاقا من العام نحو الخاص او العكس، فالنتيجة واحدة لدى رجل يرى بروح القرآن ويفسر الدنيا بالقرآن كما كان يطالب العلماء دوما.. بمعنى واضح ان ابن باديس ربط تحركه كله بمبادئ سياسية تلتزم النبل والصدق والوضوح والتوازن والاتزان والتطور المنهجي.. ولم يلجأ الى انتهازية الساسة وشطحات السياسيين، ولم تصرفه الرغبة او الرهبة عن منهجه الواضح المبين.

وبقراءة حركة ابن باديس وخطاباته التي نهج فيها سبيل التطور المستمر والتصعيد الذي لا يتراجع.. يمكننا ان نرتب مشروعه من العام الى الخاص لانه عالم دين مسلم يؤمن بان مهمة الاسلام رحمة للعالمين.. ولكن لانه عالم مسلم مسؤول وامام معني بالرسالة فعليه ان ينطلق من اللحظة والمكان الخاصين.. فكانت استراتيجية مشروعه كالآتي:

 1 لابد ان تسود الحرية والكرامة الانسانية العالم باسره.

2 لا يمكن انجاز ذلك الا بنهوض الامة الاسلامية بقيمها ومسؤولياتها لتكون شاهدة على العالمين آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر.. أي لابد من تحرر الامة من القيود التي تحول دون قيامها بمهمتها كل ابناء قطر بقطرهم..

3 لابد ان تنهض الجزائر وتحطم قيود الاستعمار وتسترد حريتها وسيادتها وكرامتها لتقوم بواجبها نحو الاقرب فالاقرب من ابناء الامة بل نحو الاسرة البشرية كلها.

4لا يمكن تحقيق ذلك الا بشعب ثائر يشعر بقيمته ويفهم رسالته ويؤمن بهويته الخاصة.

5لا يمكن تحقيق ذلك الا بتآلف الشعب وتوحّده حول اهدافه.

6لا يمكن تحقيق ذلك الا بقيام طليعة في الامة تحرض وتعبئ وتبعث التفاؤل والامل وترسم معالم الطريق للنهضة وتتحلى بمناقبية اخلاقية تكون القدوة وبوعي قراني للحياة والدين.

7لا يمكن تحقيق ذلك الا بإنشاء ثقافة اصيلة وتعليم حقيقي ووعي بجوهر القضايا لصناعة طليعة تقود الامة بطرد الخرافة والجهل والتقليد الاعمى والسلبية الفكرية.. لابد من مناخ غير مسموم بثقافة الغرب ومفاهيمه كي تتم التنشئة في محضن مستقل.

8 – ومن اجل ذلك لابد من بناء المدارس وإفشاء التعليم وتربية النشء تربية خاصة.

 9- لكي يتحقق ذلك لابد من البداية بالقراءة والكتابة لمحو الامية فكانت البداية هي عملية “اقرأ”.

هذا هو مشروع ابن باديس يبدا من “اقرأ ” وينتهي الى كرامة الانسان كل الانسان، في الارض كل الارض، وفي الطريق لابد من المرور بحرّية الجزائر ونهضتها لتقوم بواجبها في العمل من اجل خير الانسانية.. فالجزائر ونهضتها هي الهدف القريب ومن ثم ديار العرب والمسلمين الاقرب فالاقرب ونصرة الاسلام منهج رحمة للعالمين بقيمه ومنهجه.. ودونما عمل يستهدف في البداية الجزائر حريتها وسيادتها يكون كل كلام عن القيام بخدمة الاسلام من باب الاماني الخادعة.. انها مهمة منهجية متدرجة انه المنهج المحمدي..

وفي الطريق الى تحقيق الهدف الاسمى نهضة الجزائر وقيامها بدورها هناك جملة اهداف كما ذكرناها واحدا واحدا.. كل هدف يسلمنا الى هدف بعده بمنطقية وتلقائية.

والملاحظ لخط سير الامام ابن باديس يراه يتحرك في خط تصاعدي لا ينتقل من مرحلة الا بعد ان يستنفدها تماما.. ويجعل لكل مرحلة شعارا يعمل والعلماء معه على انجازه.. فكان يومه خيرا من امسه وغده اكبر من يومه حتى وصل الى مرحلة النضج لإعلان الثورة فعاجله المرض وتوفي رحمة الله عليه بعد ان هيأ للجزائر رجالا يؤمنون بهويتها مخلصين لقضيتها انتشروا في جبهة التحرير وتاسيسها وكان لهم الدور الحاسم في الحفاظ على هويتها العربية الاسلامية.

الدرس الكبير في ذكرى وفاة الامام ابن باديس نستحضره فيما نعيش فشل كثير من الجماعات الاسلامية فيما اندفعت اليه من اهداف سياسية.. وان كان المقام هنا ليس مقام النقد لها فليس اقل من الاشارة الى ان حركة اسلامية لا يكون على راسها عالم دين مجدِّد مجتهد قرآني مفكر اديب له مناقبية اخلاقية لا يرتقي اليها شك، تكون حركة اسلامية بلا رأس.. ثم ان تكون حركة اسلامية لم تثبت لدى الناس معاني الاستقامة والعزة والرحمة والصدق والانحياز لمصالحهم، انما هي حركة حزبية فقدت ارجلها فاصبحت تسير زحفا على بطنها او ظهرها.. وان حركة اسلامية حصرت اتباعها فيمن ينضوي في حلقات تنظيمها هي حركة فقدت ايديها فدخلت المعمعة بلا ايدي انما بما يشبه الهلاميات.. وان حركة اسلامية لا تنكب على معالجة واقع شعبها بعمق انما هي حركة تطير في السراب، فابن باديس لم يشكل حزبا لكن كان الشعب كله حزبه.. لقد كان الاسلام اباه وكانت الجزائر امه كما احب ان يقول.

في ضوء مشروع ابن باديس تتجلى لنا اسباب فشل الحركات الاسلامية في مشارق العرب ومغاربهم.. ومن هنا تلقي علينا تجربة ابن باديس التحدي تلو التحدي للتأمل والتدبر لعلنا نهتدي لما هو جوهري في التفكير والعمل.. تولانا الله برحمته.

* هذا هو مشروع ابن باديس يبدا من “اقرأ” وينتهي الى كرامة الانسان كل الانسان، في الارض كل الارض، وفي الطريق لابد من المرور بحرّية الجزائر ونهضتها لتقوم بواجبها في العمل أن اجل خير الانسانية. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!