اتقوا الله!
المخرج الكبير نجدت أنزور، صاحب ثلاثية، الجوارح والكواسر والبواسل، والمتواجد حاليا ببلادنا لاستكمال تصوير رائعة أحلام مستغانمي، المعنونة بـ”ذاكرة الجسد”، يواجه هذه الأيام، حملة شديدة وهجوما حادا، من طرف حراس الدين، والأوصياء على القيم، جنرالات المثل العليا، وقيادة أركان الأخلاق السامية في العالم العربي، الذين اتهموه، قبل أن يشاهدوا عمله الجديد، ”ما ملكت أيمانكم”، بازدراء القرآن الكريم!
-
قبل أيام قليلة، خرجت علينا، في نغمة مشابهة، هيئة أو جمعية أو تنظيم جديد، لم نسمع به من قبل، أطلق على نفسه اسم “جبهة علماء الأزهر”، متهمين المخرج السوري يوسف رزق بالتطاول على أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم، وعلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلال حلقة نقاشية أذاعتها الجزيرة وتمحورت حول الفن الهابط!
-
مزيد من الحظر، والخطوط الحمراء، وتحريض غير مباشر على قتل المبدعين، في عالمٍ عربي، فقد بوصلته، وأضاع سلّم أولوياته، تضاعف فيه التدين، لكن قلّ عدد المتدينين بين أرجائه وتضاءل المسلمون الحقيقيون، بل حلّ مكانهم، أنصار التدين الزائف، وأتباع الشعائر الوهمية والشعوذة والخزعبلات. قد لا نكون معجبين بما يقدمه نجدت أنزور، ولا يوسف رزق، ولا بأي عمل من أعمالهما الفنية السابقة واللاحقة، لكن تهم ازدراء الدين، والإساءة للرسل والقرآن الكريم، والتطاول على الأنبياء والمقدسات، باتت جاهزة، يحتفظ البعض بها على الرف، بانتظار استعمالها ضد كل من يختلف معه فكريا وفنيا وإنسانيا!
-
هنالك جهات في العالم العربي المتخلِّف، تريد التأسيس لشرطة الفكر، وتبني حول نفسها، جدرانا من الصمت المسيّج بالمقدسات، وتختطف جلّ القضايا اليومية التي يعيشها المسلمون، بحجة، أنه لا يجوز، ولا ينبغي، وليس من اللائق، وحرام الخوض فيها.. وغيرها من اللاءات التي نغصت عيشها وشلت عقولنا وأجهضت إبداعنا، وقتلت روح التفكير فينا.
-
الأمر، ليس ليبراليين في مواجهة إسلاميين، ولا علمانيين في مواجهة متدينين، ولا استئصالين في مقابل أصوليين، بل إن الأمر تجاوز حدود تلك الثنائيات وغيرها، ليطال حتى اتهام الإسلاميين للإسلاميين أنفسهم، كما باتت الحروب الدينية مشتعلة في أكثر من بلد، وعلى أكثر من صعيد، و كل مختلف في الرأي أضحى يواجه نقيضه ببارومتر لقياس مدى التزامه الديني، حتى يحكم عليه، بالكفر البواح أو بالردّة والعياذ بالله!
-
أين كانت جبهة علماء الأزهر مثلا حين قرر النظام الحاكم في مصر، بناء الجدار العازل على الحدود مع غزة، أو حين فكر ونفذ، ورمى الفلسطينيين في الأنفاق بالغازات؟ أين كانت جبهة علماء الأزهر في الفتنة الأخيرة بين مصر والجزائر، حين تسلم أساتذة التسخين الفضائي مقاليد الكلام، وراحوا يذمون شهداء بلد إسلامي شقيق، ماتوا وهو يرددون الله أكبر، ليأتي من يصفهم بعد قرابة خمسة عقود، باللقطاء!؟
-
كيف تنتفض الجبهة المذكورة، وتقلب الدنيا رأسا على عقب، لمجرد تصريح مخرج سوري واحد، ولو كان مخطئا، في الوقت الذي تزدحم فيه الفضائيات العربية، بأزيد من 60 مسلسلا مصريا في رمضان، معظمهما عري ورقص وتغنج ودلال!
-
أليس في هذه الجبهة، عالم واحد يتقي الله، فيقول للحاكم في مصر، شعبك حر لا تورثه لابنك!؟ أم أن التوريث حلال، وحصار غزة مباح، في حين أنّ تصريحا يتيما لمخرج سوري واحد، هو فقط المحرم والمدنس والمحظور!؟