-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

احتضنوا أبناءكم الرّاسبين لينجحوا في معركة الحياة

احتضنوا أبناءكم الرّاسبين لينجحوا في معركة الحياة

الآن وقد أسدل الستار على أيام الأفراح بنتائج البكالوريا، مثلما تجاوزت كثير من العائلات شعور الخيبة بإخفاق أبنائها في عبور المحطة، ما يضع الجميع أمام مفترق طرق في المحور النهائي بولوج الجامعة أو التوجّه نحو الحياة العملية، وربّما إعادة التجربة مرات أخرى حتى تحقيق الحلم المتاح.
لكن عندما نقف مع أنفسنا، كعائلات ومترشحين أو ملاحظين، وقفة تأمّل ورصد موضوعي للمحيط والواقع المعاش، سنكتشف أن هناك مبالغة كبيرة في الاحتفاء بشهادة نهاية التعليم الثانوي، لا تستقيم مع التحولات السوسيو-مهنية والاقتصادية في الحياة المعاصرة، سواء داخل بلادنا أو خارجها، فضلا عن انحراف كبير في النظر إلى الشهادة نفسها.
وحتى لا يظن مخطئ أننا ننتقص من قيمة الشهادة بما هو آت، من وجهة نظر قد تكون قاصرة، أو ننغّص على أهلنا سرورهم، فإننا نتمنى، من أعماق القلب، أن يكون التوفيق والتألق حليف كل مجتهد، لأنّ النجاح الدراسي في حد ذاته إنجاز كبير على طريق تحقيق الذات والطموح.
ولا تزال الجامعة الجزائرية، برغم كل الانتقادات، تُخرّج نجباء وكفاءات أثبتت جدارتها في الداخل والخارج عبر أرقى المراكز البحثية والشركات العالمية، كما أن الكثير من حاملي الشهادات الجامعية يجدون فرصتهم المواتية في الظفر بوظائف لائقة بتكوينهم في بلادهم أو في دول أخرى.
غير أن ما نودّ لفت النظر إليه هو تلك الآفاق المفتوحة في كنف الحياة بعيدا عن المسار الجامعي، ما يجعل الإخفاق في إحراز البكالوريا ليس نهاية الأحلام، بل في ظل الواقع الماثل في بلادنا وعبر العالم أجمع، فإنّ نيل الشهادة ليس بالضرورة مفتاح عبور آمن نحو المستقبل الزاهر.
كما أن الفشل في حيازة تلك الشهادة ليس نهاية الطريق، فقط علينا أن نحسن احتضان أبنائنا الراسبين ومرافقتهم في خطوة النهوض من التعثّر حتى يصلوا إلى محطتهم الأخيرة في سلام، لأنّ مشكلتنا الاجتماعية والأسرية العويصة هو أننا دائما ما نتبنّى نجاح الآخرين بزهو كبير، ونفاخر به على الناس، ربما تعويضا عن نقائصنا الذاتية، لكننا لا نتقن فن الاحتواء وجبر الخواطر في حال الانكسار، فتضيع بذلك طاقات كامنة لم تجد بيئة خصبة لإزهارها ونضج ثمرها.
إذا نظرنا بتجرّد إلى واقع ملايين الشباب الجزائري، ولا شك أن جزءا كبيرا من الظاهرة يحمل اليوم طابعا دوليا، في ظل هيمنة المهارات على سوق العمل على حساب التكوينات النظرية، فإننا نجد نسبة منهم تشغل مناصب بشهادات جامعية، بينما الأغلبية تتوزع على الأعمال الحرة واليومية والحرف أو وظائف خارج التخصص التعليمي، من دون الحديث عن قوافل البطالين من حملة الشهادات العليا.
طبعا، مثل هذا الأمر ليس مبرّرا للزهد في التعلم ولو مدى الحياة ولا الإقبال على الدراسة الجامعية ولا سدّ الأفق المهني للطلبة، بل هي دعوة للتحلّي بالصراحة مع النفس لوضع الأشياء في نصابها الصحيح من دون إفراط ولا تفريط، لأنّ الشهادات الفارغة تحوّلت أحيانا إلى عقدة لدى كثيرين في الحالتين، بالكسب أو العدم، فتجد من العائلات من تغالي في التباهي بها، لاعتبارات اجتماعية خالصة بغضّ النظر عن حقيقتها الفعلية، مقابل إقامة أُسر أخرى لمآتم لو سقط ابنها أمام أقرانه والجيران.
ينبغي أوّلا تصحيح التصوّر المنحرف الذي يتعاطى مع تعلم الإنسان بمنطق الوظيفة النفعية حصريا وتجاوز الاعتبار الذاتي القيمي، وهذا هو الدافع الرئيس للأغلبية في التركيز على كسب الشهادة، عوض التفكير في بناء الشخصية المتعلمة الواعية لصناعة مواطن صالح مؤهّل لمعترك الحياة الشاملة.
لذلك يجب فصل “الدبلوم” أوّلا عن قطاع العمل، خاصة في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية، لأنه في الأصل كسب علمي وتربوي للحياة، وكونك متخرّجا من الجامعة، فلا يستلزم ذلك أن تكون موظفا عموميا في التعليم أو الإدارة، بل الشهادة تأهيل للواقع الاجتماعي والمهني، ولعلّ الوزارة الوصية قد أحسنت صنعا بتوجّهها مؤخرا نحو تشجيع فكر المقاولاتية والمؤسسات الناشئة في كل التخصّصات.
وحتى بالنسبة لأولئك الذين يفكّرون في الشهادة بخلفية الوظيفة، فعليهم إدراك الواقع اليوم، إذ أنّ سوق الشغل لا يعترف بالأوراق المختومة من الجامعات، بل يحتضن المهارات في الميدان، إذ أضحت فرص المتكوّنين تطبيقيا من الهواة والشغوفين والمبدعين وخريجي المراكز المهنية أكثر من حاملي الشهادات النظرية من دون قدرة على إثبات أنفسهم عمليا.
أيها الأولياء… لا تعلّقوا كل الآمال على مرور أبنائكم إلى الجامعة، فهي مجرّد فرصة قد لا ينال منها الطالب سوى تجربة محطة واحدة، ولا تقتلوهم بالخيبة إذا تعثَّروا في دخولها، بل رافقوهم بذكاء وبراغماتية لاكتساب مهارات وفق مؤهّلات تفتح أمامهم الآفاق الواسعة في انتزاع مكانة اجتماعية ومهنية في سوق عمل تحكمه المردودية والفعالية والجودة.
ومن استحقّ باجتهاده العبور إلى الجامعة في أي تخصّص، فليتهيّأ لكل المسارات المهنيّة بعد التخرّج منها، لتكون الوظيفة المباشرة والمطابقة لشهادة التكوين إحدى الفرص المتوقعة فقط، وليست كل شيء في حياته.
حان الوقت لاعتبار المؤسسة الجامعية، في بُعدها الطلابي، فضاء للتعليم العالي، ولكنها أيضا تنشئة اجتماعية وثقافية وفكرية، لها بصمة بارزة في تكوين الإنسان وصقل شخصيته وانفتاحه على المجتمع الواسع، فقد يكون ذلك أحد المفاتيح الأساسية لاحقا في اقتحام المتخرّجين لمعترك الحياة المفروشة بالأشواك، إذ لا شيء يناله الإنسان من دون استحقاق.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!