-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
انقلاب‭ ‬شامل‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الشعبية‭ ‬بالجزائر

اختفاء‭ ‬كامل‭ ‬للسلع‭ ‬المستوردة

الشروق أونلاين
  • 4611
  • 0
اختفاء‭ ‬كامل‭ ‬للسلع‭ ‬المستوردة
تصوير‭ _ ‬مكتب‭ ‬قسنطينة

إنقلبت أوضاع الأسواق الشعبية في الجزائر في الآونة الأخيرة رأسا على عقب، وأخذت منظرا مغايرا لما ألفناه إلى غاية العشرية الأولى من القرن الحالي، حيث اختفت البضاعة الأجنبية المستوردة نهائيا، وكانت مبتغى مئات الآلاف من زوار هته الأسواق.. وكعينة لهذا المشهد الاقتصادي والشعبي الجديد، تنقلنا إلى أكبر سوقين وأقدمهما في شرق البلاد وهما سوقي الخروب وتاجنانت، ورغم أن هذا الأخير بفعل بعده الوطني وربما المغاربي مازال يحتفظ ببعض ميزاته إلا أنه فقد أيضا الكثير، وتغير زواره الذين صاروا من الفقراء بعد أن كانوا من أصحاب الملايير والسيارات الفاخرة التي كانت تأتي لتبحث عن الماركة والسلع الأجنبية، وهو ما جعل أجانب من أوربا والمشرق ينالون مكانا في مساحته لبيع سلعته، والمكاس أيضا وجد الآن صعوبة في رد الملايير التي دفعها لأجل كراء هذا السوق الكبير الذي ضاعت فيه التجارة بشكل رهيب.

  • ككل صباح خميس، هناك من أصبح التوجه للسوق الشعبي لديهم أشبه بالإدمان أو بالواجب أو الفرض الذي يجب القيام به، ولكن التواجد صار خليطا بشكل لافت بالعنصر النسوي الذي سيطر على التهافت على الباعة، وانتهت بشكل كامل عمليات البيع للبارونات، والبيع بالجملة، وصار 80 بالمائة من السوق مساحة لبيع الشيفون الذي لم يعد مقتصرا على الألبسة فقط، والتي تنوعت من المعاطف إلى اللباس الداخلي، وإنما شاهدنا الكمية والنوعية للشيفون مثل لعب الأطفال والأغطية وجهاز العروس وحتى الروائح وأجهزة الماكياج والحقائب.. وهو ما جعل زبائن الشيفون يكثرون ويتنوعون، ولم يعد الخجل يلبس زائر هذا السوق ومقتني سلعته منه، بل أصبح تقليدا يمارسه الجميع، حيث كثر الباعة ومعهم الزبائن بما في ذلك الأثرياء الذين وجدوا في هذا السوق النوعية والسعر المريح، وما نسف الحياء نهائيا هو التواجد الكبير للجنس اللطيف بكل أطيافه،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البنات‭ ‬العصريات‭ ‬اللائي‭ ‬عجزن‭ ‬عن‭ ‬إيجاد‭ ‬ما‭ ‬يبتغين‭ ‬من‭ ‬لباس‭ ‬يتبع‭ ‬الموضة،‭ ‬فاخترن‭ ‬الشيفون‭ ‬الذي‭ ‬مكّنهن‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬آمالهن‭ ‬في‭ ‬اللباس‭ ‬الأنيق‭.‬
  • ويعترف الباعة باختفاء السلع المستوردة نهائيا من الأسواق الشعبية بفعل قوانين الاستيراد الجديدة التي قضت على الحاويات.. وحتى لو عادت فإن السلع الصينية أو القادمة عموما من جنوب شرق آسيا أو تركيا لم تبلغ درجة الماركة الأوربية التي لا يمكن إطلاقا أن يرتديها الجزائريون‭ ‬والجزائريات‭ ‬لأن‭ ‬ثمنها‭ ‬غال‭ ‬جدا‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬الأثرياء‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بمتوسطي‭ ‬الحال‭.‬
  • الشيفون صار في الأسواق الشعبية مثل الفيروس الذي يلتهم بدن المساحة وكانت حيرتنا أن الأماكن التي كانت تسمى دبي أو المخصصة لبيع المنتوجات المستقدمة من فرنسا أو إيطاليا التي ظلت لعدة سنوات تقدم لزبائنها ما يتم استيراده من أوربا والخليج العربي.. ومن دون أي إشهار باستعمال مكبرات الصوت والقول بأن هذه السلع موجهة لأصحاب الدخل الضعيف أو المعدوم، صار الجميع يعرف الهدف والمكان ليسافروا بأبصارهم لمدة طويلة بحثا عن السلعة أو الثوب الذي يريدونه، وبالإمكان مشاهدة عائلة بكل أفرادها من زوجين وأبنائهما وهم يقتنون من هذه الأسواق،‭ ‬وقد‭ ‬تجدهم‭ ‬قدموا‭ ‬بسيارة‭ ‬من‭ ‬آخر‭ ‬طراز،‭ ‬وقد‭ ‬تجدهم‭ ‬يمتهنون‭ ‬وظائف‭ ‬راقية‭ ‬مثل‭ ‬الهندسة‭ ‬المعمارية‭ ‬أو‭ ‬الطب‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬رئاسة‭ ‬البلديات‭ ‬والإدارات‭ ‬العامة‭.‬
  • الظاهرة الثانية التي كانت محتشمة في السابق وسيطرت الآن مثل الشيفون على مشهد الأسواق، هي الدجل بكل أنواعه، رغم أنه في الغالب أخذ صورة طب الأعشاب حيث لا يمكنك أن تتقدم بخطوة واحدة دون أن تفاجئك الأصوات المتعالية من كل مكان التي تشهر لبضاعتها عبر مكبرات صوت تبيع الأحلام للناس في كذب صريح مليء بالوعود والزيف، حيث يصيح الجميع بكون ما يوجد عندهم يشفي من جميع الأمراض، والخطورة تكمن أن هؤلاء أيضا بسبب كثرتهم صاروا ينوّعون، وأدخلوا الطب النسوي والطب الخاص بالأطفال كأن يبيعوا مرهمات وحشائش ويدعّون أنها تزيل البول اللاإرادي للأطفال وتمنع آلام الحمل لدى النساء .. والغريب أن الكثير من ممارسي هذه التجارة المغشوشة يتعلمون اللهجة المغربية من أجل كسب ثقة البسطاء، وتمنحهم فعلا هذه اللهجة جواز المرور نحو القلب مباشرة، خاصة أنهم يمتلكون فن الكلام المعسول، فهم يزعمون أنهم يقومون بذلك لوجه الله ولا يهمهم المال ويقولون لزبائنهم بأنهم سيزورون السوق الأسبوع القادم ومن فشل مايسميه هم بالدواء في علاجهم سيردون لهم أموالهم في تحدٍ لا يجرؤ أشهر طبيب في العالم على إعلانه ، وصار من ممارسي هذا الدجل شباب في العشرينات من العمر وحتى نسوة يقمن ببيع‭ ‬هذه‭ ‬السموم‭ ‬لضعاف‭ ‬النفوس‭ ‬وأصحاب‮ ‬الأمراض‭ ‬المستعصية‭ ‬مستغلين‭ ‬حالة‭ ‬اليأس‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الكثيرون‭ ‬والكثيرات‭ ‬من‭ ‬العقم‭ ‬والضعف‭ ‬الحنسي‭ ‬والأمراض‭ ‬المزمنة‭ ‬مثل‭ ‬السكري‭ ‬وارتفاع‭ ‬الضغط‭ ‬وحتى‭ ‬فقدان‭ ‬البصر‭ ‬والسرطان‭..‬
  • وإذا كان لاختفاء السلع المستوردة أسبابه الاقتصادية المعروفة، وإذا كان لظهور الشيفون بهذا الشكل غير المسبوق أيضا ظروفه الاقتصادية والاجتماعية وللسحرة ذات الملاحظة، فإن كلام الطيب لوح بتنظيم الأسواق الذي أعلنه في آخر تدخل له قد حان فعلا لأن ما هو موجود حاليا‭ ‬أخطر‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬سابقا،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يصيب‭ ‬جيب‭ ‬المواطنين‭ ‬وإنما‭ ‬بالخصوص‭ ‬عقولهم
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!