اربطوا الأحزمة وحدكم!
دعوات الخبراء والمختصين والاقتصاديين إلى شدّ الأحزمة وربطها، دعوة لا تخيف، بقدر ما تستدعي وقفة شجاعة وجريئة لتحليل آثار ونتائج انهيار أسعار البترول، أو حتى استقرارها في المعدل الذي تضعه الحكومة كآخر عتبة لعدّ النفقات والمداخيل والإرادات وما بداخل الخزينة العمومية!
منطق “تزيار السانتورة” قد يكون البديل، لكنه قد لا يكون الحلّ النهائي والأرجح، طالما أن عقلية التبذير والإسراف غير المدروس والعشوائي والاستعراضي، ستبقى مستمرة ومطلقة وإلى ما لا نهاية!
من المطالَب بـ “تزيار السانتورة“: الحكومة؟ المواطن؟ الغني؟ الفقير؟ رجل الأعمال؟ المستثمر؟ التاجر؟ الفلاح؟ المستورد؟ المصدر؟.. أم إن ربط الأحزمة أو شدها ليس سوى لغة للتخويف والتسويف فقط؟
مثلما يقول المثل: “القرش الأبيض لليوم الأسود“، لكن عندنا ذهنيات تكاد تنحرنا جميعا: “الدورو ألـّي يجيبو النهار ياكلو الليل“، ولذلك ستكون دعوات هؤلاء الخبراء مجرّد صيحة في واد أو كمن يؤذن في مالطا، طالما أن المواطن البسيط لا يستوعب كثيرا اللغة التي يتحدث بها هؤلاء؟
النداء موجّه إلى الزوالية قبل الأثرياء، وهذا أخطر ما في الأمر، فما الفائدة من تخفيف الأغلبية المسحوقة من “الكحيانين” لغذائها من الخبز والحليب المدعم، إذا استمرّت الأقلية الساحقة من “البرجوازيين” في عمليات التلذذ بالكيوي والكافيار والطونة المستوردة من بحر قزوين؟
عندما ينزل الواحد منـّا إلى المراكز التجارية الكبرى، ويرى التزاحم على طوابير تسديد فاتورة المنتجات الاستهلاكية، والتي في غالبها لمختلف الأجبان والبسكويت و“النعناع” المستورد، ونرى أيضا تلك اللهفة و“اللهيف” في شهر رمضان مثلا على مختلف الكماليات التي لا تـُحيي ولا تـُميت، فمن الطبيعي أن تصبح تحليلات وتحذيرات الخبراء مجرّد أغنية بلا مستمعين، وإذا سمعها البعض فضولا أو بالصدفة ردوا عليها بالقول: “زيروا السانتورة وحدكم“!
هذه هي مصيبة المصائب، أن التحذير من “خطر” قادم، لا يجد طريقه إلى الجمهور الواسع، بل إنه يتحوّل إلى نكتة لإثارة “مسخرة” وفلكلور وتهريج.. ببساطة، وللأسف، لأن التطورات الاجتماعية والاقتصادية، قصمت ظهر المجتمع وفتتته إلى “مجتمعات” بعضها يُعاني التخمة والبطنة وبعضها الآخر يتألّم من شدّة الجوع أو في أحسن الحالات من سوء التغذية!
الإشكالية ليست في التحذير والتشخيص والترويع، لكن المشكل في المتلقـّي، ومدى رغبته في الاستماع والاستمتاع بأغاني “الهارد” كثيرة الضجيج قليلة الاستقطاب!