ارفعوا أيديكم أحسن من …..؟
بعض النواب من الذين ملؤوا كراسي المجلس الشعبي الوطني، وحتى المجالس البلدية والولائية، قدّموا اقتراحا عاجلا، أبانوا فيه أن تواجدهم في هاته المؤسسات الحسّاسة، إنما هو تواجد فيزيائي لا يختلف عن الفراغ، بل قد يكون الفراغ أحسن، عندما طالبوا بتوقيف التصويت برفع الأيدي، ورأوه عملا بدائيا لا يليق بمقامهم العالي، خاصة أنهم محاطون هذه المرة بالقوارير
حيث صار لكل برلماني كمبيوتر محمول، يُمكنّه من ممارسة تصويته السّرّيّ، الذي وصل عبره إلى هذا المنصب، ويريد عبره أن يبقى لفترة طويلة، يمارس إدمانه وعاداته “السرية” دون أن يعلم به أحد، لا رئيس المجلس ولا الوزراء ولا الحزب المنتمي إليه، ولا من يسمّون بالناخبين، وقد لا يعلم هو نفسه ما صوّت عليه. وكان هذا الانشغال العاجل الذي صار الأول، وربما الوحيد، بالنسبة إلى هؤلاء، قد اندلع مباشرة بعد انتهاء الانتخابات المحلية، حيث رفض كل الأعضاء “المنتخبين” عملية تعيين رئيس البلدية أو رئيس المجلس الشعبي الولائي برفع الأيدي أمام الملإ، وطالبوا بالصندوق غير الشّفّاف، حتى يتمكنوا من بيع أصواتهم إلى العديد من الأطراف دفعة واحدة، ويعيشوا بقية عمر العهدة الانتخابية بوجوه متعددة وليس بوجه واحد كسائر البشر، وهم ينقلون العملية الآن إلى هيئة من المفروض أن تكون تشريعية، لا يخاف فيها النائب لومة لائم، غير الله وضميره وصوت الناخب الذي منحه صوته، ويقدّمون بعض التفاسير التي لا تقنع عاقلا ولا مجنونا، وتؤكد أن البلاد على شفا الهاوية، بعد أن انحرف العباد من ناخب ومنتخب ومن نظام وشعب، عن جادة الصواب، بما يشبه إلقاء النفس إلى التهلكة.
لم يحدث في تاريخ البشرية وأن مارس مترشحون لمناصب السلطة والحصانة، الرشوة واشتراء الأصوات، بطريقة علنية الشاهد عليها الملايين من البشر، وليس مجرد اتهامات وتخمينات وتصفية حسابات، كما حدث في الاستحقاقات الانتخابية السابقة، ومع ذلك يجد الذين بلغوا غرف التشريع، الجرأة لأجل أن يسنّوا قوانين جديدة، يتمكنون من خلالها أن يعيشوا مثل الخفافيش لا نشاهد من أبدانهم- بعد أن فقدنا الأمل في عقولهم- حتى الأيدي التي كانت ترتفع لتقول إنها موجودة وإنها مع النظام ظالما أو “ظالما” لأنه لم يحدث وأن كان مظلوما، وإذا كان صمت هؤلاء “المشرّعين” تجاه قضايا الفساد التي نخرت البلاد هو أخطر من الفساد نفسه، فإن الاهتمام بحركات الأيدي، والحديث عن التصويت الإلكتروني، هو الإفساد في الذات البشرية وفي الابتكارات التكنولوجية، بدليل أن الأمريكان ينتخبون في مجلس الشيوخ برفع الأيدي أمام الملإ وعدسات التصوير، وهم الذين اخترعوا أجهزة الكمبيوتر التي اكتشف أخيرا نائب المجلس الشعبي الوطني أن لها مآرب أخرى يتوكأ عليها بعيدا عن أعين الناس، وينش بها على الذين بلغ بهم السلطة، وليس له فيها مآرب علمية أو تكنولوجية أو خيرية أخرى؟