الرأي

ارفعوا أيديكم عن انتفاضة السكاكين

صالح عوض
  • 2322
  • 0

لم‮ ‬يكن الانتماء إلى فلسطين في‮ ‬يوم من الأيام‮ ‬يمر من خلال الوظيف أو الرغيف‮.. ‬ففلسطين قضية التزام قيمي‮ ‬وأخلاقي‮ ‬وإنساني‮ ‬تتعارض عملية الالتزام بها في‮ ‬كثير من الأحيان بالوظيف والرغيف،‮ ‬لا سيما عندما‮ ‬يصبح ذلك رهنا بالممالأة والتهاون وطاطأة الضمير والوجدان‮.. ‬وعندما تصبح عملية التدجين مع قيم الهزيمة سبيلا لكثيرين‮ ‬ينبري‮ ‬ضميرُ‮ ‬الشعب وروحه للبحث عن متنفس له،‮ ‬محطما الشرنقة،‮ ‬ملقيا على الجميع شهادته العظيمة أن فلسطين أكبر من أي‮ ‬سجن وأن روحها لا تقبل التدجين وأن قامتها السامقة تأبى للأحرار أن‮ ‬يلووا ذراع شبابها في‮ ‬متاهات لا طائل منها‮.‬

لهذه الأسباب تدافع الأحرار في‮ ‬العالم من مسلمين وعرب وغير مسلمين وغير عرب للدفاع عن شرف الإنسانية في‮ ‬فلسطين ضد العصابات الصهيونية المارقة التي‮ ‬تكرس حالة العنصرية المدججة بأطماع الغربيين الاستعماريين‮. ‬ومن هنا بالضبط كانت راشيل كوري،‮ ‬الفتاة الأمريكية،‮ ‬التي‮ ‬استشهدت على حدود مدينة رفح،‮ ‬أمام الجرافات الصهيونية،‮ ‬رمزا إنسانيا كبيرا‮.. ‬ولعل من معطلات الهجوم الإنساني‮ ‬على الكيان العنصري‮ ‬أسبابا عديدة موضوعية وذاتية‮. ‬فعلى الصعيد الموضوعي‮ ‬هناك الغرب الاستعماري‮ ‬العنصري‮ ‬وما‮ ‬يتبعه من نظام عربي‮ ‬رهن مصيره برضى الغربيين وتنفيذ مخططاتهم،‮ ‬وعلى الصعيد الذاتي‮ ‬اخطاء تتراكم؛ فكرية وثقافية وسياسية وادارية حجبت عن كثيرين من الاحرار السبيل الى فلسطين وحاولت دفع الشعب الى التيه والضنك والقلق‮.. ‬ومضيعة الوقت التي‮ ‬لم‮ ‬يستفد منها الا الاحتلال وسعار الاستيطان‮.‬

هاتان فكرتان لا بد من تأملهما جيدا فيما نحن نقف أمام ما‮ ‬يحصل بفلسطين وأيدينا على قلوبنا،‮ ‬نخاف أن‮ ‬يتم إجهاض هذه المحاولة الفريدة التي‮ ‬تتميز بأداء نوعي‮ ‬وبروح نوعية وبوعي‮ ‬نوعي‮.. ‬هنا‮ ‬يتداخل الخاص بالعام والتحليل بالرغبات ولا‮ ‬يستطيع المرء أن‮ ‬يفصل بينهما،‮ ‬إلا أن المرحلة تحتاج منا كثيرا من التبصر لكيلا نقتل أنفسنا بالأمنيات الخادعة أو نقعد أرواحنا بالتوجس والتشكك والتخوف‮.. ‬بجملة واحدة،‮ ‬لا بد من القول إن الانتفاضة الحالية تتسم بعدة سمات‮ ‬يمكن أن تشكل ضمانة لها كي‮ ‬تستطيع فرض نفسها على الواقع الفلسطيني‮ ‬وتغير الاتجاه وتلغي‮ ‬آليات فاسدة في‮ ‬العمل وتنمي‮ ‬الإحساس بضرورة التجدد وإعطاء دفق جديد من الحياة للكفاح الفلسطيني‮.‬

السمة الأولى في‮ ‬هذه الانتفاضة،‮ ‬أنها لم تكن بقرار من أي‮ ‬فصيل فلسطيني‮. ‬والسمة الثانية أنها كانت عمليات فردية‮. ‬والسمة الثالثة أنها لم تكن فقط في‮ ‬الضفة الغربية وقطاع‮ ‬غزة،‮ ‬بل امتدت إلى كل الجغرافيا الفلسطينية المحتلة‮.. ‬ثم السمة الرابعة أنها لم تكن انتفاضة حجارة ولا انتفاضة مسلحة بالأسلحة الرشاشة،‮ ‬بل تجددت بوسيلة جديدة؛ بالسكين لتعطي‮ ‬طابعا جديدا متميزا لها عن الانتفاضتين السابقتين‮. ‬فهي‮ ‬انتفاضة السكاكين‮.. ‬أي‮ ‬إنها ليست انتفاضة سلمية بل هي‮ ‬انتفاضة بأدوات وآليات مختلفة‮. ‬وفي‮ ‬هذا تختلف عن منطق الجميع،‮ ‬منطق الذين‮ ‬يريدونها سلمية بلا دم،‮ ‬ومنطق الذين‮ ‬يريدونها قنابل واشتباكات مسلحة‮.. ‬جاءت الانتفاضة الحالية لتقول‮: ‬لا لن ننتظر أحدا لدعمنا،‮ ‬إنما بالسكاكين والمدى الحادة سنسجل في‮ ‬سفر كفاح الشعب أن جيلا فلسطينيا مؤمنا أصر على المقاومة ولا‮ ‬يستسلم‮.. ‬ولتقول أيضا إننا لن نقبل بالوهن والضعف وبأسلوب الاستجداء،‮ ‬فإن الارتكاز لروح الشعب وقوته هو السبيل الوحيدة لفرض إرادتنا الحرة وفرض قوة حجتنا ومنطقنا وصدق روايتنا‮..‬

‭‬من سمات هذه الانتفاضة المباركة أنها لم تكن انتفاضة حجارة ولا انتفاضة مسلحة بالأسلحة الرشاشة بل تجددت بوسيلة جديدة؛ بالسكين لتعطي‮ ‬طابعا جديدا متميزا لها عن الانتفاضتين السابقتين‮.. ‬فهي‮ ‬انتفاضة السكاكين‮..‬

هي‮ ‬سمات تؤهلها بالتأكيد لكي‮ ‬تفرض نفسها على الواقع الفلسطيني‮ ‬والعربي‮.. ‬ولكن كيف سيتعاملون معها؟ هل‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتركوها تترعرع وتنتعش وتتقدم نحو اكتمالها وقد حققت هدفها بفلسطين كل فلسطين وبطريق المقاومة الفدائية والاشتباك الشعبي‮..‬؟ هل‮ ‬يتركونها تسير على قدمين؟ أم إنهم سيضعون لها الألغام ويحفرون في‮ ‬طريقها الكمائن؟

قانون الهزائم‮ ‬يقول إن المهزوم لا‮ ‬يقبل أن‮ ‬يكون سواه منتصرا،‮ ‬ويقول كذلك إن للهزيمة أخلاقها وآلياتها ومفاعيلها فهي‮ ‬تنبعث من نفوس محطمة وأرواح مكسورة ولا تترك لمن ابتلي‮ ‬بها فرصة في‮ ‬اتخاذ الخطوة المناسبة نحو خيره وخير من‮ ‬يسير معه‮.. ‬وتقول قوانين الهزيمة إن الواقعية هي‮ ‬تلك التي‮ ‬يتنازل عنها العدو لسبب من الأسباب وإنها واقعية قدرية لا‮ ‬يمكن تدويرها ولا تحويرها ولا تغييرها‮..‬

إن المصابين بالهزيمة سيكونون هم العدو الأكبر لانتفاضة الشعب الفلسطيني‮ ‬في‮ ‬كل فلسطين‮.. ‬المنهزمون هم أخطر من سيتصدى لهذه الانتفاضة ويعمل جاهدا لإيقافها أو إسقاطها أو قتلها‮. ‬فلقد علمتنا التجارب أن الحكام العرب في‮ ‬سنة‮ ‬1936‮ ‬هم من أجمع على الطلب من الحاج أمين الحسيني‮ ‬بإيقاف ثورة الشعب الفلسطيني‮ ‬العظيمة التي‮ ‬كادت أن تطرد الاحتلال البريطاني‮. ‬وحجة الحكام العرب‮ ‬يومذاك أن بريطانيا العظمى وعدتهم بحل منصف للقضية الفلسطينية‮.. ‬إنه منطق الهزيمة والمهزومين وهو ما نخشى أن‮ ‬يمرّ‮ ‬في‮ ‬ثنايا جسم الشعب والانتفاضة‮.. ‬لا سيما ونحن نسمع عن اتصالات مكثفة من أطراف عربية ودولية طالبة إيقاف الانتفاضة وعدم رفدها وضرورة احتوائها‮.. ‬إننا نخشى حقيقة أن تجد هذه الخديعة سبيلها إلى صفوف الشعب فنفقد فرصة تاريخية في‮ ‬بناء قاعدة ثقافية وفكرية ونضالية صلبة تؤهّلنا للانطلاق في‮ ‬الاتجاه الصحيح لحل القضية الفلسطينية‮.‬

ولكن أمام هذا كله،‮ ‬ينبغي‮ ‬الثقة بالشعب الفلسطيني‮ ‬وبطلائعه الثورية وبشبابه الحرّ‮ ‬الرائع‮.. ‬شباب ما كانوا في‮ ‬مشهد إلا أعطوه بريقه واقتداره وعزيمته‮.. ‬شباب فلسطين اليوم لا‮ ‬يخضع لحسابات السياسة الظالمة الاستعمارية إنما‮ ‬يلتف حول جملة واحدة فقط‮: ‬كلنا فداء الأقصى وكلنا أقصى وكلنا شعب واحد نرفض الضعف والهزيمة والخوف‮.. ‬

إنه شعب‮ ‬يمكن المراهنة عليه‮. ‬وإنهم شباب بالإمكان تماما القول إنهم لن‮ ‬ينخدعوا‮.. ‬هم الأروع والأنبل والأكرم والأجمل‮.. ‬هم الأوعى والأنقى والأتقى‮.. ‬هم مصابيح القدس،‮ ‬فمن‮ ‬يزودهم بالزيت لكي‮ ‬يستمر اتقادهم؟ هم من‮ ‬يسطّر الآن ملحمة فلسطين الجميلة الكاملة البهية،‮ ‬فمن‮ ‬يلتحم بهم ويعلن انحيازه إليهم؟ هو السؤال الذي‮ ‬لن‮ ‬ينسجم مع الرغيف والوظيف‮.. ‬تولانا الله برحمته‮.‬

مقالات ذات صلة