الحداثيون في عالمنا الإسلامي (1/2)
الحداثيون في عالمنا الإسلامي ثلاثة أصناف: صنف أكاديمي لم يخرج من أروقة الجامعة ومدرّجاتها، وطروحاته لم تبرح الكتاب، ومخابر البحث، والملتقيات، والمناسبات الثقافية. وصنف مناضل يعمل في الميدان في سبيل النهوض بمجتمعه وفق منظوره الذي يراه مناسبًا، ولا خلفية معرفية له إلا ما تعلَّمه في حياته النضالية من قيم سياسية واجتماعية، تشكلت عنده في أطر النضال السياسي والحركات الاستقلالية، وهذا الصنف في الغالب باقٍ على طبائعه العرفية التي ورثها من المجتمع، ولا يشعر بتناقض بين نضاله وفق المقررات الحداثية التي تعلمها وآمن بها، وبين ما ورثه في المجتمع من قيم التدين والأخلاق والعلاقات الأسرية، ولذلك وجدنا الكثير منهم يدعو إلى تبني قضايا غريبة عن المجتمع، اعتقادًا منه أن ذلك هو سبيل النهضة المطلوب، ولذلك كان من غرائب النضال في العالم الإسلامي أن الشيوعي في بعض البلاد الإسلامية يصوم ويصلي ويفتتح خطابه بالبسملة والصلاة والسلام على رسول الله، مثل الإسلامي تمامًا.
أما الفئة الثالثة فهي الفئة المتعلمنة التي تبنت طروحات الحداثيين بكلّها وكلكلها، وبجميع أبعادها العقدية والثقافية والسياسية، وهذه الفئة في الغالب تمارس النضال السياسي والثقافي من داخل السلطة عندما تصل إليها، أو بالتنسيق معها عندما تكون خارجها، وقد حاولت تنفيذ برامجها وفقًا لمعتقداتها، مستغلةً في ذلك الدعم الدولي، في إطار الأممية الاشتراكية أو الدعم الليبرالي الغربي.
والذي يهمني في هذا الموضوع هو جميع هذه الأصناف؛ لأن الموضوع الذي أعالجه متعلقٌ بالفئة الثالثة بالأساس، ولكنه لا يستثني من يشاركونها من التيارات الأخرى، في إطار العمل على النهضة والإصلاح. وقد أشرنا في مقال سابق إلى أن هذه الفئة من الناس، من التيار الحداثي، قد التقت مع التيار الإسلامي في بعض الأنشطة الوطنية الاجتماعية والسياسية، مع اختلاف في الأصول العقدية والفكرية للقضايا التي يناضلون في سبيلها. وقد ظهر هذا الاختلاف في إطار النضال السياسي في ظل النظام السياسي الوطني بعد الاستقلال، بسبب ما بينهما من تباين في المنطلقات الفكرية، ففي الحركة الوطنية مثلًا، يناضل الحداثيون، ومن تأثَّر بظاهر نضالهم، من أجل الاستقلال السياسي، أما فيما عدا ذلك فلا مانع عندهم من تبنِّي الطروحات الغربية، كما كانت تصوُّرات الاندماجيين في الحركة الوطنية السياسية والثقافية؛ لأن الحداثيين عمومًا يرون أن الغرب الذي استعمرنا لم يظلمنا بما صدَّر إلينا من قيم، باعتبار أن قيم الحداثة قيمٌ حضارية كونية وليست خاصة بالغربيين، أما غيرهم من المحافظين، ومنهم الإسلاميون، فيناضلون من أجل الاستقلال التام: السياسي والثقافي، ومنهم الإسلاميون الذين يرون أن الغرب يريد مسخنا وصبغنا بألوانه مظهرًا ومخبرًا.
وقد تكلمنا بما فيه الكفاية عن التيار الإسلامي ومقاصده وأهدافه واجتهاداته، واليوم أريد أن أخوض في أسس ومنطلقات التيار الحداثي العلماني كما هو، من غير تسجيل حكم مسبق عنه بما يوحي بالحكم له أو عليه، إلا ما كان من نقد داخل التيار، فيما يتداول بين أهل المدارس الحداثية في حد ذاتها.
تنطلق المدارس الحداثية من الوضعية، التي أسس لها أوغست كونت، استنادًا إلى جهوده التي بذلها من أجل القضاء على الفوضى التي اجتاحت المجتمع الأوروبي إثر النَّقلة العلمية المادية التي أحدثتها ثورات الغرب العلمية والصناعية،
فقرر أوغست كونت أن الكون تحكمه منظومة قوانين واحدة، فالقانون الذي يحكم الأرض والجبال والفلاحة والفلك هو نفسه القانون الذي يحكم النظام البشري والعلاقات الإنسانية، لتنظيم العلاقات بين أفراده وفئاته، وقد نُسب إليه بسبب ذلك علم الاجتماع. ومن ثم، كما يرى كونت، فإن العلاقات الإنسانية، والاجتماعية منها بصفة خاصة، تتطلب الكشف عن هذه القوانين وإعمالها في واقع الناس. وقد اعتبر أن هذه المرحلة، «الوضعية»، هي المرحلة الثالثة من مراحل التطور الفكري لدى الإنسان، إذ كانت المرحلة الأولى مرحلة اللاهوت، التي كانت تفسِّر الأحداث على أنها فعلٌ إلهي مختلط بالأعراف والخرافات البشرية، ثم كانت المرحلة الثانية، وهي مرحلة الميتافيزيقا، بما فرضته من قيم تصوُّرية لم تخرج عن طور التصورات الذهنية التي لا تفيد كثيرًا في الواقع والجانب العملي. ومن هنا كانت منطلقات الفكر الحداثي عمومًا، بجميع مشتقات مدارسه المختلفة والمتنوِّعة، مع تهذيب في تقسيم مراحل التطور الفكري التي مرت بها الإنسانية، إذ اعتبرها بعضهم أربع مراحل، وليس ثلاثًا فحسب، وهي: مرحلة الدين، ومرحلة الأسطورة، ومرحلة الفلسفة، ومرحلة العلم، ونحن الآن في مرحلة العلم.
وكل ما عدا هذا التصنيف لا يعدُّ من العلم الذي يُعتمد في معالجة قضايا الإنسان، ومن ثم فإن العلم المعوَّل عليه ما كان مستنده المقررات الوضعية، وما أنتجته العلوم الكونية. ومن هنا تقرَّر تقسيم كل ما يتعلق بالإنسان إلى قديم منتهي الصلاحية، وجديد صالح وقابل للاستثمار فيه، والارتقاء بالإنسان وبمقرِّراته بفضله، في حين أن الكثير مما يتعلق بالإنسان لا يخضع للقِدم والجِدَّة، وإنما يخضع للرداءة والجودة. ولذلك لم يستغنِ الإنسان عن الكثير من الأمور التي وُجدت معه، فالجاذبية التي بين الإناث والذكور قديمة بقِدم الإنسان نفسه، ومع ذلك لا تزال قائمة ولا غنى عنها، سواء باسم الشهوة وطلب اللذة والمتعة، أو طلبًا للأُنْس والذرية… وكذلك الدين كان ولا يزال محورًا مهمًّا في حياة الإنسان، وقد وُجد مع الإنسان، ولا يزال له مفعوله في الوجود، واعتباره قديمًا لا يستقيم؛ لأن القديم ومنتهي الصلاحية ينتهي ويختفي وينقرض، مثلما تنقرض الكائنات التي أُنهيت مهامها في هذه الحياة.
ومبرِّراتُ الاستغناء عن الدين بسبب طغيان الكنيسة وانحرافها يمكن تفهُّمُها، ولكن لا يمكن إقرارُها، إذ لا تزال مدارس الفكر الحداثي ينسخ بعضُها بعضًا، بسبب ما في هذه المنهجية من نقائص، وما يعاب على هذه المدرسة وذاك المذهب وذلك الاتجاه… إلخ.
وترى المدرسة الوظيفية في علم الاجتماع أن المجتمع، بمكتسباته النفسية والاجتماعية، يحمل في علاقاته بين أفراده وجماعاته نُظمًا داخلية يسير وِفقها المجتمع، ويخضع لها الأفراد، وكأنهم يقولون إن هذا الكون له نظامٌ داخلي يسيِّره آليًّا، فلا حاجة له إلى مؤثر من خارجه، سواء باعتقاد أن الله خلق الخلق وفق نظام معين ثم تخلَّى عنه ليسيِّر نفسه آليًّا، أو باعتقاد أن الله لا دخل له في هذا الوجود؛ لأن الإنسان بقدراته الذاتية قد كشف عن قدرات عالية تغنيه عن الله، فأعلن عن “موت الإله” على لسان نيتشه.
والذي يبدو أن المدرسة الوظيفية توصَّلت بالاستقراء إلى أن الإنسان يقوم بأمور غائية تلقائيًّا، صحِبته طيلة تاريخه، مثل العادات والتقاليد والتدين والعلاقات الأسرية… كل ذلك كان يمارسه لتحقيق غايات معينة ومصالح معينة.
ولكن هل هذه الآلية في سير المجتمعات هي لتحقيق المطلوب؟ أم أن هناك دوافع تضطر الإنسان، فردًا وجماعة، إلى العمل على تجسيد هذه الوظيفة؟
… يُتبع
الفئة الثالثة هي الفئة المتعلمنة التي تبنت طروحات الحداثيين بكلّها وكلكلها، وبجميع أبعادها العقدية والثقافية والسياسية، وهذه الفئة في الغالب تمارس النضال السياسي والثقافي من داخل السلطة عندما تصل إليها، أو بالتنسيق معها عندما تكون خارجها، وقد حاولت تنفيذ برامجها وفقًا لمعتقداتها، مستغلةً في ذلك الدعم الدولي، في إطار الأممية الاشتراكية أو الدعم الليبرالي الغربي.