-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صرعى ديمقراطية!

د محمد مراح
  • 24
  • 0
صرعى ديمقراطية!

صورتان: نشر جورج غالاوي، السياسي البريطاني الحر النبيل، منشورا دالا قال فيه: إن أقوى قوة ديمقراطية في العالم قضت من أصل 250 سنة من عمرها 231 سنة حروبا، و19 سنة فقط سلام مع العالم، وتسببت في إبادة أكثر من 100 مليون إنسان.

الصورة الأخرى؛ منشور لـ{أ. د/ بروفيسور} يقدم القيم الروحية النبيلة  لأبنائنا يجسم حالة انتخابية في مدرج يحضره من أصل 200 طالب يحضره 6 طلاب!

في ضوء الصورتين نتناول موضوعنا في عناصر مركزة:

  1. غالاوي يقيّم الديمقراطية بمخرجاتها الواقعية من خلال ممارساتها بأيادي أكبر ممثليها حضاريا في العالم، وبروحه الحرة وضميره الحي ووفائه للقيمة التي تعلو كل قيمة وهي حياة الإنسان وكرامته . و{أ. د} يقيّمها وفق رغبة منقطعة عن الواقع الملبَّد بالتعقيدات.
  2. الأول يتعامل مع الديمقراطية بوصفها أداة ووسيلة، والثاني تمثل له غاية، ولا يبذل أدنى تأمل عقلي واعي، ينزل بالغاية إلى شروط تَمَثُّلِها في بلده.
  3. الأول يمثل كلّ الحكماء وذوي البصيرة عندنا من نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، والثاني يمثل “صرعى ديمقراطية” ممن يهوّلون من حالة طبيعية قد تعيشها ديمقراطيات عريقة، في ظروف معينة، ولا يقيّمونها في ضوء المشهد الوطني العامّ لبلدانهم من جميع النواحي، وأهمها الاستقرار العامّ والأمن الوطني.
  4. أكبر عمل  سياسي يجب علينا إنجازه في مرحلتنا الوطنية الآن هو  تقييم مسار الديمقراطية منذ الانفتاح الديمقراطي، بموضوعية وتجرُّد عن الأيديولوجيات والرغبات الحزبية والغرائز السياسية والحسد والحقد لعدم تحقيق منافع السلطة وامتيازاتها ومغرياتها وتحكماتها.
  5. لا شك أن فحص المسار  سيجعلنا نلاحظ أن محطات الفوضى أكبر من محطات الرشد والحكمة، وأن الارتماء إليها دفعة واحدة دون مهادات تراعي الخصوصية التاريخية للبلاد، وبدافعية عاطفية شعارية، وبزاد نظري لا رصيد له من الخبرة، سلَّمنا إلى أخطر فترة عاشتها في تاريخها، كادت أن تزول على أيدي بعض أبنائها، بعد أن استلموها حرة طيبة مباركة على طبق مسك دماء الشهداء. وأن التماسك المؤسسي لأهم مؤسسات الدولة في مثل هذه الحالات،  قد تمكن في النهاية من انقاذها من ذاك المصير. فـ”ديمقراطية ” صرعت كثيرين غير مؤسَّسة على قراءة واعية وعميقة غير مبدِعة نموذجها الوطني هي المسؤولة عن المأساة، ولكن استعادة البلاد من شفا الجرف، شجع على استئناف ديمقراطي مخلِّص من مسببات المهلكة. لكن أسبابا أخرى نشأت بفعل الشعور بالأمن والاستقرار  والحاجة العاطفية للتعويض مع تدفق خيرات الريع الهائلة، طوعت الديمقراطية لمحطة أخرى من ممهدات الهلاك غير الدامي، انتهى بالدولة للسقوط في براثن عصابات المال التي صادرت الدولة لطغيانها المالي وغرائزها المسعورة، وحولت مؤسساتها التشريعية والتنفيذية إلى قاعات قمار  بمصير البلد والشعب، لكن النقاء النفسي والروحي  لدى الشعب، وحبَّه الفطري لبلده  وغيرته التاريخية عليه تصدى للدمار  بأسلوب حضاري بدت فيه بوضوح أمارات الاستفادة من المحطة المرعبة، فوجد السندَ من مؤسسة الموعد الوطني الحاسم لحفظ الوطن، فسار  في مساره آمنا يهتف بديمقراطية حقيقية وفق الخصوصية الوطنية. لكن قوى خفية حاولت السطو على المكسب الكبير الذي تلاحم فيه الشعب مع جيشه الشعبي الوطني، فكانت الغلبة والنصر للَّحمة التي أعادها طرفَا المعادلة.

الديمقراطية أداة يجب تطويعها للشروط الواقعية للبلاد في كل المجالات وليس من زاوية سياسية واحدة، ولا من قالب واحد استحكم في العقل السياسي الحزبي، وهو القالب الغربي وتحديدا الفرنسي. كما سيكون لحالة الكساح الإدراكي التي يعاني منها كثيرون نتيجة نقص المحصول الفكري والثقافي الحصيف، وانكماش ذكاء النخب الفكرية والثقافية، انكفاء أو قصورا أو انحصارا في حيِّز  معرفي أو علمي ضيق، قلت سيكون لهذه الحالة أثرٌ سلبي شديد في تطويع الديمقراطية في سياق الوضع الإقليمي والعالمي على كل الصُّعُد.

  1. هذه الملاحظات غير القابلة للتزييف والإنكار  قبالة ملاحظة كبرى؛ وهي أن الديمقراطية أداة يجب تطويعها للشروط الواقعية للبلاد في كل المجالات وليس من زاوية سياسية واحدة، ولا من قالب واحد استحكم في العقل السياسي الحزبي، وهو القالب الغربي وتحديدا الفرنسي. كما سيكون لحالة الكساح الإدراكي التي يعاني منها كثيرون نتيجة نقص المحصول الفكري والثقافي الحصيف، وانكماش ذكاء النخب الفكرية والثقافية، انكفاء أو قصورا أو انحصارا في حيِّز  معرفي أو علمي ضيق، قلت سيكون لهذه الحالة أثرٌ سلبي شديد في تطويع الديمقراطية في سياق الوضع الإقليمي والعالمي على كل الصُّعُد.
  2. يلاحظ أن “صرعى ديمقراطية ” يمسكون ألسنتهم، ويغضُّون أبصارهم عن تغييرات كبرى ومنجزات استراتيجية تتجسد على نحو مذهل، ومكاسب اقتصادية وإستراتيجية، لا أحسب أنها دارت بعقول أكثرهم يوما ما، إذ لا تجدها حدَّدت بأي درجة من الوضوح يوما ما في خطاباتهم السياسية والحزبية؛ وربما كانت هي الصدمة الحقيقية التي أفقدت كثيرين السلوك الوطني السوي بالإشادة بها، وإدراجها ضمن المكاسب النوعية الكبرى في مسار البلد.
  3. ولا شك أن احتباس العقل الحزبي وأحيانا كثيرة الثقافي والإعلامي في مضيق الديمقراطية الفرنسية هو السبب الأكبر  في هذا السلوك، فلا تنطلق الألسنة إلا في المواسم الانتخابية، شاجبة مُهَوِّلة.
  4. المعطيات الوطنية والإقليمية والدولية الكثيرة والبينة التي  منها:  وطنيا، المنجزات المنجمية والطاقوية الكبرى والفلاحية والمائية والرقمية والسكنية والقانونية والأمنية والتعليمية والاجتماعية… وإقليميا: المخاطر العالية التي تحاول قوى خارجية تطويقنا بها، تقابلها الجهود الخارقة المرهِقة التي تبذلها الدولة لاختراق تلك المخططات؛ بالتمدد إفريقيًّا ديبلوماسيًّا واقتصاديًّا و روحيًّا وبالضرورة سياسيًّا . وعربيًّا بتمتين الروابط بالدول العربية، والتضامن مع قضاياها العادلة، والمؤازرة المعنوية لها، والمساعدة المتاحة بالإمدادات اللازمة أحيانا. ودوليًّا بتوثيق الروابط الاقتصادية والسياسية بين جميع الدول والقوى الكبرى وفق قواعد سيادية وسياسية واقتصادية متوازنة، والاستفادة الذكية اقتصاديا وسياسيا وتصنيفا من الفرص التي تتيحها الأوضاع العالمية الكبرى وأزماتها  والاتفاقيات الطاقوية التقليدية والمتجددة، و عرض الوساطات، والانضمام المدروس إلى التكتلات الاقتصادية النظيفة سياسيا، وتطوير إمكاناتها وخبراتها الصناعية والعلمية، وكل هذا وفق العائد الوطني للتنمية.

كل هذه المعطيات توجب على صانع السياسة الوطنية تطويع الممارسة الديمقراطية لها، بما يمهِّد لجيل الشباب الذي أخذ يأخذ مواقعه الطبيعية المستحقَّة في كل المجالات والمؤسسات والمشروعات والسياسات الرسمية.

  1. البعد الأعظم الذي تتجاهله خطابات “صرعى ديمقراطية” هو التنمية الذاتية؛ التي عليها مدار التغييرات والمنجزات والرؤى والطموحات والجهودالمضنية والمواجهات الظاهرة والخفية لقوى التعطيل الداخلية والمغرر ببعضها وبالرواسب النفسية والسلوكية والعقلية الموروثة، والقوى الخارجية المتربِّصة بشراسة الذئاب الضارية، فتجاهل هذا البعد الأعظم يتجاوز سوء التقدير  إلى الخطيئة الكبرى التي لا يغفرها التاريخ، وستضعها الأجيال في ميزانها المناسِب في التطور الحضاري.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!