الجزائر
رغم النشاط الرقمي المتزايد، خالد وافي لـ"الشروق":

ازدهار التجارة الإلكترونية في الجزائر يتطلب بيئة تنظيمية وقانونية مُتكاملة

نادية سليماني
  • 87
  • 0

شهدت الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، توسعا ملحوظا في عمليات البيع والشراء عبر الإنترنت، وأصبح الهاتف الذكي واجهة تجارية لآلاف البائعين، بينما تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات يومية لعرض المنتجات واستقبال الطلبات. كما ساهم انتشار خدمات التوصيل والدفع عند الاستلام في تغيير جزء من سلوك المستهلك الجزائري، وفتح الباب أمام آلاف الشباب لإنشاء مشاريع صغيرة بأقل التكاليف.

ولا يمكن إنكار أن هذا التحول خلق فرصا اقتصادية جديدة، وساهم في ظهور مهن وخدمات مرتبطة بالاقتصاد الرقمي، مثل شركات التوصيل، وصناعة المحتوى التسويقي، وإدارة المتاجر الرقمية، والتسويق عبر المؤثرين.

غير أن وصف هذا الواقع بأنه “تجارة إلكترونية” بالمعنى القانوني يبقى محل نقاش، بحسب مختصين ورجال اقتصاد.

تسويق رقمي أكثر منه تجارة

وفي هذا الصدد، يرى رئيس المنظمة الوطنية لإرشاد المستهلك وحمايته في التجارة الإلكترونية، وافي خالد في تصريح لـ”الشروق”، أنه في الحقيقة، ما يهيمن اليوم على المشهد الجزائري هو التسويق الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي أكثر من كونه تجارة إلكترونية متكاملة.

وقال إن الغالبية العظمى من عمليات البيع تتم عبر صفحات فيسبوك وإنستغرام وتيك توك أو تطبيقات المراسلة “دون وجود متاجر إلكترونية مستوفية للشروط القانونية، ودون احترام الالتزامات التي نص عليها القانون رقم 18-05 المتعلق بالتجارة الإلكترونية”.

الجزائر تمتلك مقومات كبيرة لبناء تجارة إلكترونية حقيقية

وقال إن التجارة الإلكترونية ليست مجرد نشر صورة لمنتج وتلقي الطلب عبر رسالة خاصة، مثلما يفعله بعض أصحاب المتاجر الإلكترونية، وإنما “هي منظومة قانونية وتقنية متكاملة تقوم على هوية واضحة للتاجر، وسجل تجاري مخصص للنشاط، وبيانات قانونية معلنة، وعقود إلكترونية، وحماية للبيانات الشخصية، وآليات للدفع الإلكتروني، وضمانات لحقوق المستهلك قبل وفي أثناء وبعد عملية البيع”.

الدفع الإلكتروني محدود الاستعمال

أما الواقع الحالي، يضيف محدثنا، فيكشف أن أغلب المعاملات لا تزال تعتمد على الدفع عند الاستلام، بينما تبقى وسائل الدفع الإلكتروني محدودة الاستعمال لدى كثيرين، وهو ما يجعل جزءا كبيرا من الأموال يتداول خارج المنظومة البنكية الرقمية، ويحد من تطور الاقتصاد الرقمي الحقيقي، على حدّ قوله.

وأضاف رئيس المنظمة الوطنية لإرشاد المستهلك وحمايته في التجارة الإلكترونية، أن غياب الامتثال القانوني لدى عدد كبير من البائعين وبعض إجراءات في البنوك أدى إلى “انتشار ممارسات سلبية، مثل انتحال الهوية التجارية، وبيع منتجات مجهولة المصدر، وصعوبة استرجاع الحقوق عند وقوع نزاعات، وهو ما يُفسّر تزايد البلاغات والشكاوى والتحذيرات التي تنشرها المصالح الأمنية بشكل دوري بشأن عمليات النصب والاحتيال الإلكتروني”.

ومن جهة أخرى، وبحسب ما يؤكد وافي، لا يمكن تحميل المسؤولية للبائعين وحدهم، ” فعملية الانتقال إلى تجارة إلكترونية حقيقية تتطلب بيئة متكاملة تشمل تبسيط الإجراءات الإدارية، وتطوير وسائل الدفع الإلكتروني، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتعزيز الثقة الرقمية، وتطبيق القانون على جميع الفاعلين دون استثناء.” على حد قوله.

نحتاج تنظيما أكثر من الترويج

ويؤكد المتحدث إن الجزائر تمتلك مقومات كبيرة لبناء سوق تجارة إلكترونية حقيقية، سواء من حيث عدد مستخدمي الإنترنت أم انتشار الهواتف الذكية أو الطاقات الشبابية، إلا أنّ هذه الإمكانات تحتاج إلى تنظيم أكثر من حاجتها إلى الترويج.

ويرى أن الفرق كبير بين التسويق الرقمي الذي يهدف إلى الترويج للمنتجات عبر الإنترنت، والتجارة الإلكترونية التي تمثل نشاطا اقتصاديا منظما يخضع لقواعد قانونية وتقنية ومالية واضحة.

لذلك، فإن المنظمة الوطنية لإرشاد المستهلك وحمايته في التجارة الإلكترونية تعتبر المشهد الحالي “مرحلة انتقالية أكثر منه نموذجا مكتمل الأركان”، فقد نجح الجزائريون في تبني أدوات التسويق الرقمي بسرعة، لكن بناء تجارة إلكترونية حديثة وآمنة لا يزال يتطلب استكمال المنظومة القانونية والتنظيمية والتقنية، بما يحقق التوازن بين تشجيع الاستثمار الرقمي، وحماية المستهلك، وضمان المنافسة العادلة.

وبالتالي، فإن مستقبل التجارة الإلكترونية في الجزائر لن يقاس بعدد الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي أو عدد الطرود التي يتم تسليمها يوميا، بل بمدى انتقال النشاط التجاري من الفضاءات الرقمية غير المنظمة إلى منظومة إلكترونية قانونية وشفافة، توفر الثقة للتاجر والمستهلك والدولة على حد سواء يختم خالد وافي.

مقالات ذات صلة