استبداد الجغرافيا في علاقة مصر بسوريا
المرحوم جمال حمدان “المصري” من أعظم المفكرين العرب المعاصرين، وهو أستاذ الجغرافيا السياسية، نشر له سلسلة كتب حول شخصية مصر والعالم العربي والقضية الفلسطينية وإفريقيا وغير ذلك من المواضع ذات الأهمية القصوى في فهم ما يجري في العالم العربي والإسلامي والقضية الفلسطينية في المركز من ذلك كله.. جاءت كتبه العديدة التي خطها فيما يسكن في غرفة “بدروم” لم يخرج منها حتى احترق بفعل سجل ضد مجهول.. جاءت كتبه تبرهن عن نظريته في عبقرية المكان وحركة التاريخ المحكومة بالجغرافيا وعلاقة ذلك كله بحركة الإنسان.. من أجمل وأدق ما قاله: “إن المكان يختار لأهله مهماتهم”.. وفي إشارته إلى تاريخ مصر السياسي والحضاري يحدد أن دخول مصر في الدائرة الإسلامية حدد لها مهمات جديدة جعلتها في الصميم من تكوين الأمة وعليها مهمات جليلة منذ البداية. ورأى أن ذلك تجلى في وحدة الهم والأمل والمشروع بين بلاد الشام ومصر.. وجاءت كل حروب الأمة للتصدي للغزوات الخارجية فيما بعد ليكون هذا التكامل أو التوحد بين مصر وبلاد الشام هو جسر عبور الأمة نحو نصرها.
هذا الجزء النظري ضروري لأية عملية فهم لما ينبغي أن تقوم عليه العلاقة بين مصر وبلاد الشام.. ومن هنا، ينبغي أن لا يتسرع أحد لإملاء رؤية سياسية على العلاقة بين الجزئين، فذلك لن يقبله التاريخ وسترفضه الجغرافيا وإيحاءاتها الملهمة للمهمات الحتمية.. وهنا تصبح الأيديولوجيا المنعزلة عن التداخل في قوانين الجغرافيا والتاريخ سورا إضافيا يحجب النور والوعي عن حركة المجتمعات والدول.
مصر وسوريا تقفان اليوم في عمق المأزق.. فبعد أن تحررت مصر معنويا على الأقل من الترابط مع الكيان الصهيوني وبعد أن خرجت مصر لتؤكد عروبتها وانتماءها الحضاري وتؤسس لحياة حرة كريمة لملايين العرب.. في هذه اللحظات التاريخية الحرجة أصاب الدوار سوريا وانزلقت في دوامة نار وفتنة قاتلة.. في مصر اضطراب يتشعب ويتسلح بالجريمة والأكذوبة ليعطل حركة مصر عن التقدم نحو واجباتها.. وفي سورية اختلط الحق بالباطل.. حق الجماهير وطلائعها في حرية التعبير والتعددية السياسية والتداول السلمي على السلطة وباطل حمل السلاح والتزود به من قبل حكومات عربية غاية في النذالة والتورط في مؤامرات الأعداء التاريخيين ومن قبل فرنسا وبريطانيا وأمريكا.. واختلط حق النظام بباطله.. حقه في الدفاع عن الدولة وصيانة مؤسساتها والوقوف ضد الكيان الصهيوني بدعمه للمقاومة اللبنانية والفلسطينية والعراقية وباطله في قمع المظاهرات وسجن الأطفال وكم الأفواه والزج بالناس في السجون لمحض الشبهة والغلو في العنف ضد المخالفين..
كان الموقف المصري بإدانة ما يقوم به النظام مرفوقا بتشديده على رفض التدخل الأجنبي مهما كانت الأسباب في الشأن السوري كما حصل في العراق وليبيا وسواهما.. لم يتلقط النظام السوري الرسالة المصرية بسعة صدر وبروح المسؤولية فشن حملته الإعلامية على النظام المصري وألقى عليه كل التهم الباطلة.. لم يدرك النظام السوري أنه لولا موقف النظام المصري الحالي لكانت طائرات الناتو من كل حدب تقصف في كل المنشآت السورية ولن تكون سورية أكثر منعة من العراق!!
لقد فقد النظام السوري فرصة علاقة ضرورية ومنطقية مع نظام وطني عروبي إسلامي في مصر كما فقد النظام المصري بشنه الحرب على النظام السوري فرصة أن يكون الوسيط المنطقي ومرجعية الحل السليم في سوريا.. المسألة تحتاج من النظام المصري التحرك بحس الدولة أكثر وتحتاج من النظام السوري التحرك بحس الوطن.. ففي ذلك الحل والخير للمنطقة والسلام للعالم.