-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

استبداد‮ ‬الجغرافيا‮ ‬في‮ ‬علاقة‮ ‬مصر‮ ‬بسوريا

صالح عوض
  • 4033
  • 5
استبداد‮ ‬الجغرافيا‮ ‬في‮ ‬علاقة‮ ‬مصر‮ ‬بسوريا

المرحوم جمال حمدان “المصري” من أعظم المفكرين العرب المعاصرين، وهو أستاذ الجغرافيا السياسية، نشر له سلسلة كتب حول شخصية مصر والعالم العربي والقضية الفلسطينية وإفريقيا وغير ذلك من المواضع ذات الأهمية القصوى في فهم ما يجري في العالم العربي والإسلامي والقضية الفلسطينية في المركز من ذلك كله.. جاءت كتبه العديدة التي خطها فيما يسكن في غرفة “بدروم” لم يخرج منها حتى احترق بفعل سجل ضد مجهول.. جاءت كتبه تبرهن عن نظريته في عبقرية المكان وحركة التاريخ المحكومة بالجغرافيا وعلاقة ذلك كله بحركة الإنسان.. من أجمل وأدق ما قاله: “إن المكان يختار لأهله مهماتهم”.. وفي إشارته إلى تاريخ مصر السياسي والحضاري يحدد أن دخول مصر في الدائرة الإسلامية حدد لها مهمات جديدة جعلتها في الصميم من تكوين الأمة وعليها مهمات جليلة منذ البداية. ورأى أن ذلك تجلى في وحدة الهم والأمل والمشروع بين بلاد‮ ‬الشام‮ ‬ومصر‮.. ‬وجاءت‮ ‬كل‮ ‬حروب‮ ‬الأمة‮ ‬للتصدي‮ ‬للغزوات‮ ‬الخارجية‮ ‬فيما‮ ‬بعد‮ ‬ليكون‮ ‬هذا‮ ‬التكامل‮ ‬أو‮ ‬التوحد‮ ‬بين‮ ‬مصر‮ ‬وبلاد‮ ‬الشام‮ ‬هو‮ ‬جسر‮ ‬عبور‮ ‬الأمة‮ ‬نحو‮ ‬نصرها‮.‬

 

هذا الجزء النظري ضروري لأية عملية فهم لما ينبغي أن تقوم عليه العلاقة بين مصر وبلاد الشام.. ومن هنا، ينبغي أن لا يتسرع أحد لإملاء رؤية سياسية على العلاقة بين الجزئين، فذلك لن يقبله التاريخ وسترفضه الجغرافيا وإيحاءاتها الملهمة للمهمات الحتمية.. وهنا تصبح الأيديولوجيا‮ ‬المنعزلة‮ ‬عن‮ ‬التداخل‮ ‬في‮ ‬قوانين‮ ‬الجغرافيا‮ ‬والتاريخ‮ ‬سورا‮ ‬إضافيا‮ ‬يحجب‮ ‬النور‮ ‬والوعي‮ ‬عن‮ ‬حركة‮ ‬المجتمعات‮ ‬والدول‮.‬

مصر وسوريا تقفان اليوم في عمق المأزق.. فبعد أن تحررت مصر معنويا على الأقل من الترابط مع الكيان الصهيوني وبعد أن خرجت مصر لتؤكد عروبتها وانتماءها الحضاري وتؤسس لحياة حرة كريمة لملايين العرب.. في هذه اللحظات التاريخية الحرجة أصاب الدوار سوريا وانزلقت في دوامة نار وفتنة قاتلة.. في مصر اضطراب يتشعب ويتسلح بالجريمة والأكذوبة ليعطل حركة مصر عن التقدم نحو واجباتها.. وفي سورية اختلط الحق بالباطل.. حق الجماهير وطلائعها في حرية التعبير والتعددية السياسية والتداول السلمي على السلطة وباطل حمل السلاح والتزود به من قبل حكومات عربية غاية في النذالة والتورط في مؤامرات الأعداء التاريخيين ومن قبل فرنسا وبريطانيا وأمريكا.. واختلط حق النظام بباطله.. حقه في الدفاع عن الدولة وصيانة مؤسساتها والوقوف ضد الكيان الصهيوني بدعمه للمقاومة اللبنانية والفلسطينية والعراقية وباطله في قمع المظاهرات‮ ‬وسجن‮ ‬الأطفال‮ ‬وكم‮ ‬الأفواه‮ ‬والزج‮ ‬بالناس‮ ‬في‮ ‬السجون‮ ‬لمحض‮ ‬الشبهة‮ ‬والغلو‮ ‬في‮ ‬العنف‮ ‬ضد‮ ‬المخالفين‮..‬

كان الموقف المصري بإدانة ما يقوم به النظام مرفوقا بتشديده على رفض التدخل الأجنبي مهما كانت الأسباب في الشأن السوري كما حصل في العراق وليبيا وسواهما.. لم يتلقط النظام السوري الرسالة المصرية بسعة صدر وبروح المسؤولية فشن حملته الإعلامية على النظام المصري وألقى‮ ‬عليه‮ ‬كل‮ ‬التهم‮ ‬الباطلة‮.. ‬لم‮ ‬يدرك‮ ‬النظام‮ ‬السوري‮ ‬أنه‮ ‬لولا‮ ‬موقف‮ ‬النظام‮ ‬المصري‮ ‬الحالي‮ ‬لكانت‮ ‬طائرات‮ ‬الناتو‮ ‬من‮ ‬كل‮ ‬حدب‮ ‬تقصف‮ ‬في‮ ‬كل‮ ‬المنشآت‮ ‬السورية‮ ‬ولن‮ ‬تكون‮ ‬سورية‮ ‬أكثر‮ ‬منعة‮ ‬من‮ ‬العراق‮!!‬

لقد فقد النظام السوري فرصة علاقة ضرورية ومنطقية مع نظام وطني عروبي إسلامي في مصر كما فقد النظام المصري بشنه الحرب على النظام السوري فرصة أن يكون الوسيط المنطقي ومرجعية الحل السليم في سوريا.. المسألة تحتاج من النظام المصري التحرك بحس الدولة أكثر وتحتاج من النظام‮ ‬السوري‮ ‬التحرك‮ ‬بحس‮ ‬الوطن‮.. ‬ففي‮ ‬ذلك‮ ‬الحل‮ ‬والخير‮ ‬للمنطقة‮ ‬والسلام‮ ‬للعالم‮.‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • ابن القصبة

    مهما حاولت الدفاع عن النظام السوري بطرق ملتوية فإنك لا تستطيع إغفال الناس الذين تابعوا ما يجري في سورية والذين يعرفون حقيقة هذا النظام وتاريخه في الإجرام بحق السورين والفلسطنين، فشتان بين نظام مصر الجديد بقيادة مرسي وبين نظام المجرم ابن المجرم في سوريا. تريد من مرسي أن يضع يده في يد السفاح وابن بائع الجولان وخادم المشروع الصفوي في المنطقة

  • بدون اسم

    ليس النظام المصري الذي منع حلف الناتو من قصف سوريا وانما تعارض مصالح القوى العظمى والجزائر هي اول من رفض التدخل الاجنبي وكانت لوحدها فبل ان تلتحق مصر بركب الرافضين لهذا التدخل صحيح انه ادان همجية النظام ولكنه لم يذكر شيئا عن همجية المعارضة وهمجية داعميه كان عليه ان يقف في المنتصف من اجل ايجاد حل للازمة وبصراحة وضعية مصر لن تسمح لها القيام بشيء ولا داعي لاعطاء مصر اكثر من حجمها واعتبارها المخلص لازمات المنطقة ...سور يا ( النظام والمعارضة ) ان كانو يريدون انقاذ شعبهم وبلدهم فلن يمنعهم عن ذلك احد .

  • اسحاق

    نتمنى الاستقرار الامنى و الغدائى لمصر و سوريا.

  • جمال

    تحية طيبة لك أستاذ صالح، أعتقد أنك منحت السلطة الجديدة في مصر أكثر مما تستحق، وأفرطت في تفاؤلك إزاءها وهي التي استنسرت على النظام السوري الجريح بحجة الدفاع عن الشعب السوري، لكن لماذا هي في صورة البغاث التي لاحول لها ولا قوة مع الكيان الصهيوني الذي لا زال يمعن في قتل الشعب الفلسطيني، أم أن دماء هؤلاء لم تعد تثير الاهثمام لكثرة ما أريقت. فعلاقة الإخوان الودية مع الصهاينة لا زالت مصانة والرسالة الشهيرة من مرسي إلى عزيزه شمعون بيريز لازالت محفوظة في الذاكرة يا أستاذ صالح. قليل من الوقعية من فضلك.

  • بدون اسم

    انا وزملائى طلبة فى جامعة القاهرة..ونحن مدمنين القراءة لمقالتكم الشيقة والمميزة حقا......