-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

استدعوا الاستعمار… فبصق في وجوههم

صالح عوض
  • 2277
  • 0
استدعوا الاستعمار… فبصق في وجوههم

جمعني لقاء قصير مع السيد سفير تونس بالجزائر على هامش احتفال مؤسسة الشروق بإطلاق مركزها للدراسات والبحوث الإستراتيجية.. وفورا دخلنا في حديث عن هموم الأمة ومستقبلها وتلمسنا كيفية الاختراق الغربي لأفكارنا وجهود المستشرقين المعاصرين لكيفية إحداث تزاوج داخل عقولنا حول أنفسنا فكان هذا أحد أسباب تعثرنا وعدم قدرتنا حتى الآن على الانطلاق الحضاري.. ووجدنا ان الموضوع غاية في الخطورة والأهمية، ذكرني هذا الحديث فورا بكتاب المفكر الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد “الإستشراق”.

أجل، إن قصتنا مع الاستعمار الغربي مع تعدد راياته وتبدلها من صليبية، إلى رأسمالية، إلى شيوعية، قصة طويلة، ولها فصول متنوعة تطال كل مناحي الحياة، وكأنه ليس في التاريخ البشري الا الصراع الذي بيننا والغرب او بمعنى أكثر دقة أن التاريخ لم يسجل مثل هذا الصراع طولا على صعيد الزمن ولا تجددا على صعيد تنوع المجالات.. ولا يمكن الإدعاء انه لو توفر وقت لأحد الكتاب او جيل من الكتاب لاستطاعوا ان يعطوها حقها من التبويب وإلقاء الضوء على الأحداث وأسبابها ونتائجها على الأصعدة جميعها.

وفي هذه المعركة التي استغرقت قرونا طويلة فقدنا كثيرا من قوة دفعنا الحضاري وأصابنا الاقتناع انه لا يمكن تجاوز حدود حرياتنا واستقلال بلادنا، فلقد تمكن الاستعمار أن يقوم بعملية كيّ لوعينا وإرادتنا، حيث أصبح من الهوس والجنون والتطرف والمبالغة ان يتحدث أحد الآن عن ضرورة نهوض الأمة برسالتها لإنقاذ البشرية ومنها الغرب من هذه النظم والمناهج الاستعبادية الرأسمالية والعدوانية الاستعمارية..

ولم يقف حد الاختراق إلى هنا، بل قامت مختبرات الغرب الثقافية والعلمية والإيديولوجية والتي توجهها الإدارات الأمنية والسياسية بصناعة أجيال من المستشرقين الغربيين الذين نمطوا حضارتنا الإسلامية في الفتوح العسكرية والقصور والأمراء والنساء والخمر واللهو وسوى ذلك، ثم جاءوا إلينا يتكلمون بلغتنا ويحملون معلومات ضخمة تفصيلية عن فرقنا ومذاهبنا والنعرات القومية بيننا.. بل ويحدثونا أحيانا عن طبائعنا وأذواقنا وأودعوا ذلك كتبا ومحاضرات ودورات ثقافية وجعلوها مناهج تعليمية في جامعاتهم، وإذا ما قدر لبعض أبنائنا الالتحاق بأحدها عاد محملا بوجهة نظرهم نحو تاريخنا وحاضرنا..

وصنع الغرب مؤسسات وثقافة عامة ووضع مبادئ لها بتفسير غربي ورسم خرائط وألقى تسميات لمناطق وشعوب واستحدث كيانات غريبة عن حس الأمة وجعل كل ذلك مرجعيات لحياة البشر وسياساتهم لاسيما أمتنا.. ولم يكتف بذلك، بل أقام أجهزته الأمنية والعسكرية لقمع أية حالة تمرد في بلداننا واختراقها ومن ثم أسقطها أرضا.

على ضفة الصراع الأخرى، استقبلت النخبة العربية والمسلمة منظومة المفاهيم التي ألقى بها الاستعمار إلينا وأصبحت هذه المفاهيم، وما تستتبع من منظومة قيم هي مرجعية العملية الثقافية وما ينبثق عنها من إعلام وعلوم إنسانية وأدبية وفنية وممارسة سياسية ومواقف وآراء تجاه قضايا الأمة.. ووصل بنا الحد إلى إبراز هذه المرجعيات كلما أردنا أن نعلن موقفنا من عدوان صارخ علينا هنا أو هناك.. وانتشرت هذه النخبة المخترقة والمكونة من فئات السياسيين ومثقفين وعلماء دين وإعلاميين في أوصال مجتمعاتنا..

وهكذا يصبح من الصعب ان تتحرك شعوبنا إلى استرداد قيمها ومفاهيمها الخاصة بها والتي تؤهلها لنهضة وحضارة.. بمعنى واضح عدم قدرة أمتنا على رسم معالم منهج خاص يقودها إلى الحرية والاستقلال الحقيقي، وهكذا يكون المشروع الاستعماري الغربي قد ضمن سيطرته علينا بعد ان وفر لنجاحه إنشاء القابلية للاستعمار في نخبنا وقام بتربيتها على منظومة أفكار، ومنظومة قيم، ومنظومة مفاهيم تستدعي الاستعمار حتى ولو كانت في واقع حالها تعلن تحررها منه أو استغناءها عن مساعداته..

لقد رأيناهم كيف يستدعون الأجانب الاستعماريين لحل مشكلاتهم الداخلية، وكيف يستقوون بهم على إخوانهم في العقيدة والدم، ولقد شهد القرن العشرين أسوأ هذه الحالات التي ذكرتنا بملوك الطوائف في الأندلس، وكيف كان الواحد من هؤلاء الملوك يستنصر بالصليبيين على ملك مسلم آخر، ولعله يكون من أقربائه.. انه الموقف نفسه والمنهج نفسه، وإن كان أخذ أشكالا وتراكيب أكثر تعقيدا، وأصبح الغرب الاستعماري يقدم لنا السم الزعاف في كل خطوة ونصيحة وصفعة.

ونحن الآن نجني نتائج استدعاء بعضنا لتدخلات الإدارات الغربية في واقع أمتنا والعمل على كيفية مواجهة المشكلات في أوضاعنا الداخلية والبينية بين أقاليمنا وفي مجال التنمية في بلداننا من خلال نصائح الغربيين واستشاراتهم والتجارة الدولية من خلال رهن آلياتنا لرغباتهم وإدارة ثرواتنا، حيث لم تعد خريطتنا الجغرافية عندهم تعني شيئا من السيادة الوطنية والقومية، فهذه “أشياء” لا قيمة لها لدى الغربيين.. ولهذا تتجه الإدارات الغربية وعلى رأسها الإدارة الأمريكية على رسم خرائط جديدة لمنطقتنا العربية وعالمنا الإسلامي، وهي قيد التنفيذ في السودان والصومال والعراق وليبيا وسوريا وسوى ذلك من بلداننا.. فضلا عن التخريب المتواصل في اقتصادنا ومناهج التعليم عندنا، بل وفي كل مجالاتنا، حيث أصبح الاستهلاك وتبديد الثروات هو السبيل الوحيد المتاح أمام تنمية ثرواتنا.

انه لا يمكن لوجدان طاهر ولا لعقل يقظ ولا لضمير وطني وقومي وإنساني سليم ان  يستدعي الاستعمار في حل مشكلاته أو الاستقواء به على بني جلدته وبني قومه وبني أمته، وإنه لا يمكن ان يحدث ذلك إلا اذا كانت العملية الإختراقية قد حصلت بكل أركانها فأسودّ الوجدان، وأصابت الفوضى العقل، وانكسرت شفافية الوجدان.. فأصبح الأمر سيان لدى نخبة قد فقدت إدراك مسئوليتها ودورها في تطوير مجتمعاتها والبحث عن عناصر القوة التي تحميها.

والأمر اللافت وهو يثير السخرية حقا، أن هؤلاء الذين استدعوا الاستعمار قاموا بخدمات مجانية لم ينالوا عليها مكافئا من الاستعماريين.. لم يرد لهم الاستعماريون بعضا مما يستحقون على خدماتهم الذليلة.. بل كان الانقلاب عليهم او إعدامهم او سجنهم او البصاق في وجوههم هي المكافآت التي قام بها الاستعماريون بصلف ودون أي تردد.

إن المعامل الاستعماري لا يتحرك إلا في بيئة تكامل فيها البناء النفسي والفكري والسياسي على قاعدة القابلية للاستعمار والاحتكام إلى فلسفته ومنطقه.. ومن هنا تصبح عملية المواجهة مزدوجة للمعامل الاستعماري والقابلية للاستعمار لكي تنجو أجيال الأمة القادمة من هذا الاختراق الضخم الذي أصاب اجيالنا كي تستطبع النجاة من هذا الارتكاس الحضاري..

تدفقت هذه الأفكار التي تحتاج إلى عملية بناء فكري ونفسي من خلال القدح على جدرانها والذي كان لسفير تونس بالجزائر الفضل فيه والفضل يذكر لأهله.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!