الرأي

استعادة روح الزمن الجميل… أم تلاعبٌ بالحنين!

ح.م
تعبيرية

الزمن في حد ذاته محايد، نحن مَن نُعطيه صفة الجمال والأمل أو نُعطيه صفة الرداءة واليأس. نحن مَن نُعطيه روح الحياة والسعادة أو نقتلها فيه. نحن من نجعله دافعا للتقدم أو كابحا له، نحن من نجعله وسيلة للتماسك الاجتماعي وربط الماضي بالحاضر والمستقبل أو نجعله أداة لزيادة تعميق اليأس بين الناس ومنعهم من الدخول في حالة من الطمأنينة والانسجام مع الذات.

إننا يمكن أن نتحدث عن الزمن الجميل بصيغة اليأس ويمكن التحدث عنه بصيغة الأمل! بالصيغة الإيجابية أو بالصيغة السلبية. كما يمكن للبعض التلاعب بهذا الحنين الطبيعي إلى الماضي!
بالصيغة الإيجابية استعادة روح الزمن الجميل كما تُطرَح اليوم ممكنة إذا ما حَرَّرنا أنفسنا من ضغوط الحياة المادية ومتطلبات العصر التي لا نهاية لها، وممكنة إذا ما اقتنعنا أن جمال الزمن هو في جمال العلاقات الاجتماعية بِقيمها السامية وأبعادها الإنسانية.
أما بالصيغة السلبية فإن الحديث عن “الزمن الجميل” يصبح حديثا مُثبِّطا قاتلا للأمل مانعا الناس من مواجهة تحديات المستقبل والسير بثقة نحو غد أفضل، وفوق ذلك يُصبح مبرِّرا لكل نقائص الماضي حتى وإن كان ماضيا استعماريا ظالما بكل ما تحمل الكلمة من معنى!
لقد ناقشت الكاتب الروسية – الأمريكية سفيتلانا بويم Svetlana Boym هذا الموضوع في كتابها الموسوم بمستقبل الحنين The Future of Nostalgia وبيَّنت بوضوح أن شروط الحياة المادية التي فرضتها العولمة هي السبب الرئيس لتفشي ظاهرة الحنين إلى الماضي عالميا. ذلك أن العولمة اتجهت نحو إلغاء القيم القائمة على الثقافات المحلية واستبدلتها بقيم عالمية ذات طبيعة مادية. الجميع بات يسعى لتوفير متطلبات المجتمعات العصرية ويقارن نفسه بالآخرين غافلا عما يملك من عناصر حياة غير مادية صنعت زمنه الجميل كما عاشه آباؤه وأجداده… ولذلك عندما يعجز عن الاندماج في هذه العولمة يعود إلى الحديث عن ذلك الزمن الجميل أو على الأقل إلى تضخيم الجوانب الإيجابية فيه.
وبهذا المفهوم تُصبح محاولات تذكر “الزمن الجميل”، أو العودة إليه، كابحا لمواجهة تحديات المستقبل، خاصة عندما يتم استغلال هذا “الحنين” استغلالا سلبيا، أو يتم التلاعب بعواطف الحنين إلى الماضي الجياشة لدى الناس لنشر مزيد من الإحباط واليأس بينهم، وإحداث خلط لديهم في التمييز بين أسباب سعادة الأمس وتعاسته أيضا، وأسباب سعادة اليوم وتعاسته أيضا…
لذا،علينا من باب وعي طبيعة المرحلة أن نُدرك الفرق الجوهري بين حديثنا عن “الزمن الجميل” بمقياس قيم القناعة والتضامن والمواساة التي تصنع دفء العلاقات الاجتماعية وصدقها وبساطتها وانعدام التكلف فيها، والزمن الحاضر بمقياس ماديات العولمة ومظاهر التقدم التكنولوجي المختلفة… وألا نخلط بين هذا وذاك…
عندها فقط يُصبح بمقدورنا أن نصنع زمننا الجميل اليوم من خلال تكامل نصنعه بأنفسنا بين قيم زمن ما قبل العولمة وقيم مواجهة تحديات المستقبل بثقة ورباطة جأش… ولكي نستطيع فليس أمامنا سوى كشف التلاعب بروح “الحنين إلي الماضي” ووقفه، ذلك أن مثل هذا التلاعب إن لم ُيثبِّط روح التحدي لدينا فإنه سيمنعنا من صناعة المستقبل الذي نريد…

مقالات ذات صلة