الرأي

استعداد فاشل بعد فشل

عمار يزلي
  • 846
  • 0

أوروبا تستعد للحرب: حرب محتملة مع روسيا تحديدا. هذا ليس مجرد خبر، ولكنه إعلان شبه رسمي من جهات ضمن الاتحاد الأوروبي.

الاستعداد للحرب، ليس معناه الدخول في حرب اليوم أو غدا، لكنه إعلان عن نية تغيير العقيدة الأمنية مع روسيا أساسا.

السؤال الأكثر إلحاحا، هو توقيت هذا التوجه: لماذا اليوم وليس قبل 30 سنة مثلا لمّا هوى الدب شبه صريع، تنخره الخلافات والمشاكل الاقتصادية الداخلية وصراع الإثنيات والمستعمرات القديمة في عهد المد الشيوعي؟ السبب بسيط ومعقد في آن واحد: قبل ذلك، كان ينتظر أن ينتهي الاتحاد السوفياتي ميتا، مفتتا مشتتا مجزَّءا، ليكون قابلا للاحتواء: احتواء الغرب لروسيا بعد الاتحاد السوفياتي كان ورادا جدا مع سياسة “الغلاسنوست” والنهج الانفتاحي على الغرب عموما وعلى أمريكا تحديدا في عهدي غورباتشوف ويلتسين من بعده. لهذا، كانت أوروبا وحتى الولايات المتحدة، تتصوَّر وتعتقد أن “نهاية التاريخ” قد دنت، حتى مع منظري الحقبة الأمريكية “فرنسيس فوكوياما”، وأن حقبة المركزية العالمية ستؤول قريبا وحصريا إلى الغرب برئاسية الولايات المتحدة من دون غيرها. هذا ما عبّر عنه بوش الأب أثناء وبعد مؤتمر مالطا مع غورباتشوف في ديسمبر 89: نهاية الحرب الباردة. غير أن الحرب بقيت تحت الرماد، دافئة  إلى حين. الكل كان يعتقد أن الدب قد انتهى وسينضم لاحقا إلى المحفل الرأسمالي الغربي، ليتولى العمل بعد ذلك على احتواء التنين الأحمر. كل شيء كان مدروسا، بعناية ومخططا له سلفا، لكن ليس كل المخططات تنجح دائما وفق ما يراد لها، يكفي ألا تأخذ بعين الاعتبار أو تقلل من أهمية متغير واحد، ليتغير معك الأمر وتتكون النتيجة عكسية أو على الأقل مخالفة للتوقعات.

هذا ما حدث ما بعد يلتسين، ومجيء بوتين ونائبه ميدفيدف، وصقور الحقبة الانتقالية المنفتحين على الغرب، لكن ليس بنفس الروح التي جاء بها سابقوهم، وجاءت بهم. كان على روسيا أن تنخرط في مسار غربي وحتى تنخرط في حلف الناتو بعد أن زال حلف وارسو، ولكن، كان على الناتو منطقيا أن يزول هو الآخر، لأنه لا معنى لبقائه مع نهاية الحرب الباردة، لكن هذا لم يحدث ولم يطرح أصلا للنقاش، مما زاد في توقعات القادة الروس الجدد بأن الغرب يريد أن يبتلع روسيا ولا يريد التعاون والتكامل رغم تقارب الجغرافيا والمصالح، خاصة مع أوروبا.

انفجرت بعدها عدة بؤر وصدامات مفتعلة، تؤكد أن الغرب وأوروبا في مقدمة الركب، يريد سلخ الدب حتى قبل صيده. الغرب اليوم يعترف بالمصيدة التي كان يجهزها لروسيا والشراك الذي كان يعدُّ لها في عدة جمهوريات سوفياتية مستقلة وخصيصا في أوكرانيا البلد الضخم اقتصاديا وجغرافيا وقلب الاتحاد السوفيتي النابض من قبل. التحرك الروسي مع القيادة الجديدة، لم يكن متوقعا، سواء من طرف الغرب أو من طرف الأمريكان، وحدث ما حدث في أوكرانيا، ولا يزال ذلك يحدث، وسيبقى وسيطول رغم مطالب وعمل الولايات المتحدة مع ترامب للتوصل إلى حل وسطي في البلدين المتحاربين منذ أكثر من أربع سنوات.

الغرب الأوروبي ممثلا في فرنسا وبريطانيا وألمانيا، باعتبارهم القوى الأكثر تأثيرا، كانت الأكثر تأثرا بحرب أوكرانيا اقتصاديا وسياسيا، وهي نفسها اليوم التي تعرقل التسوية بما فيها مخطط ترامب لإنهاء الحرب بين البلدين الجارين.

دعوة أوروبا لاستعدادها للحرب، نابعة من هذا التخوف، الذي هو أصلا ناتج عن خيبة أمل، ناجمة عن سوء تقدير للمستقبل: استعداد فاشل، لأنه جاء بعد فشل.

مقالات ذات صلة