استعمارُ الاستعمار
روى الأستاذ التهامي مجوري أنّني قلتُ له: “لقد عزمتُ على أن لا أقرأ بعد اليوم إلا للإمام الإبراهيمي”. (جريدة الشروق 20/5/2025).
كثيرًا ما يسألني معارفي عن سرّ إعجابي بالإمام الإبراهيمي؛ إذ لا يكاد يخلو مجلسٌ أحضره، أو مقالٌ أكتبه، أو خطابٌ أخطبه من إيرادي قولًا من أقوال الإمام الإبراهيمي قرأتُه له أو سمعته عنه من أفواه خلطائه ممّن تشرّفتُ بمعرفتهم والتعلّم عنهم.
يعتبر كثيرٌ من زواري مكتبتي “ثريةً” بما تحتويه من كتب قديمة وحديثة في مختلف الموضوعات، فإذا أكثرتُ من ذكر أقوال الإبراهيمي فليس معنى ذلك أنني لم أطّلع على عددٍ لا بأس به من أقوال غيره من العلماء العرب والمسلمين أو الأجانب، ولهذا فأنا أقرأ ما أقرأ ثم أقارن وأفاضل بين ما قرأتُ للإمام الإبراهيمي وما سمعتُ عنه سماعًا أو قراءةً وما قرأتُ لغيره ممن قرأتُ لهم، فيرجَحُ كلامُ الإمام كلامَ كثير غيره من العلماء والأدباء والمفكرين.. ولكن عيبنا، نحن الجزائريين، كما يقول الشيخ أحمد حماني، أننا “نحقرو سلعة بلادنا”.
يمتاز الإمام الإبراهيمي بأمرين رئيسين هما:
– الفكر الرشيد، والرأي السديد، والنظر البعيد، والحكمة البالغة..
– الأسلوب الرائع، الذي تنطبق عليه مقولة “السهل الممتنع”، فهو أسلوبٌ بليغ، متين، ولكنّه سهل، مفهوم عند أكثر القرّاء حتى ممّن لا يملكون مستوى عاليًّا من العلم والثقافة، ولذا فقد أطلِقت أوصافٌ كثيرة على الإمام أذكر منها وصفين، أوّلهما للأمام أبي يعلى الزواوي الذي وصف الإمامَ الإبراهيمي بأنه “الزمخشري ذاتا وصفة وفصاحة ولغة”. (جريدة البصائر. ع 45 في 27/ 11/ 1936. ص 2). ولمن لا يعرف الزمخشري فليعلم أنه قيل فيه: “لولا الزمخشري لبقي القرآنُ بكرا”.. مع ملاحظة أنّ الإمام الإبراهيمي ليس على مذهب الزمخشري العقدي، وأما ثاني الوصفين فهو للشيخ محمد إبراهيم الكتاني الذي وصف الإمامَ الإبراهيمي بأنه “آية الله”. (جريدة العلم المغربية في 2- 3/ 10/ 1951).. و”آيةُ الله” الكتانية لا علاقة لها بـ”آية الله” الشيعية.
ذكّرني بالأمام الإبراهيمي -ولم أنسَه- ما قاله عن هذه الدولة المسماة “الولايات المتحدة -على الباطل- الأمريكية، التي تجمّعت فيها شرورُ الدول الأوربية الاستعمارية، إذ وصفها بأنها “استعمارُ الاستعمار”. (آثار الإمام الإبراهيمي. ج 5. ص 99). فقد ورثت هذه الدولة أسوأ وأبشع ما تخلّق به الغربيون، الذين استعلوا في الأرض بغير الحقّ، وأذاقوا الإنسانية العذابَ الواصب، ولن يستريح هذا العالمُ إلا باتحاده ضدّ هذه الدولة التي عتت عن أمر الله، وغرّها بالله الغَرور، فقالت بلسانَيْ الحال والمقال: “من أشدُّ وأكثر مني قوة”، فطغت في العالم، وتريد أن تستعبد الناسَ وقد ولدتهم أمهاتُهم أحرارًا.. ولكننا نؤمن أنّ النصر للحقّ، وإن استعلت “القوّة” فترة قصيرة من الزمن وإن طالت في التقديرات البشرية.