استفراد إسرائيلي بغزة
في ظرف داخلي وإقليمي حساس، تشن إسرائيل غارات عسكرية متوالية لإرباك الساحة الفلسطينية وتغيير أجندتها.. فعلى المستوى الفلسطيني، يتحرك الفلسطينيون بثبات لملاحقة إسرائيل على جرائمها في غزة قبل عامين، ومازال تقرير غولدستون يطارد قادة إسرائيل، الذين أصبحوا مطلوبين للمحاكم الأوروبية..
-
هذا في حين ينجز الفلسطينيون اعترافات دولية معتبرة، تكفي لتمنحهم قرارا دوليا بالاعتراف بشرعية الدولة الفلسطينية على حدود 1967، الأمر الذي يدفع بالإسرائيليين للتحرك المحموم على أكثر من مستوى، لإفشال الجهود الفلسطينية في هذا الصدد، وأخيرا هناك المصالحة المحتملة، والتي تجد دفعا عربيا كبيرا عقب مبادرة الرئيس الفلسطيني وإعلانه عن نيته بزيارة غزة، مصطحبا أمين عام جامعة الدول العربية، عمرو موسى، وأمين عام مؤتمر العالم الإسلامي، إكمال حسين، ولقد وجدت المصالحة في الأيام الأخيرة حيوية بالغة، بعد خلع نظام حسني مبارك، حيث أبدت الحكومة المصرية الحالية اهتماما ومسئولية واضحة تجاه الوضع الفلسطيني جملة، وموضوع المصالحة بشكل خاص.. ومن هنا تأتي هذه التوترات التي تفرضها إسرائيل لإرباك الجهود للمصالحة المحتملة.
-
وعلى الصعيد الإقليمي، يبدو أن إسرائيل ترى فيما يحصل في الإقليم فرصة لفرض حقائق جديدة على الأرض، بإنهاك قوى المجتمع الفلسطيني، والزج بها خلف الأحداث، والتحرك على صعيد الاستيطان، وعلى صعيد إرباك الوضع الداخلي.. وترى إسرائيل ضرورة فحص مواقف الدول بعد هذه الموجة من التغيرات.. والرسالة موجهة إلى مصر لفحص حقيقة موقفها.
-
في هذه الظروف الفلسطينية الداخلية والإقليمية، تشن طائرات إسرائيل ومدفعية دباباتها غارات على أكثر من مكان في جنوب القطاع وشماله، كان يوم أمس ذروة تصعيده، وقد ألحقت عددا كبيرا من الشهداء والجرحى، رغم أن التنظيمات الفلسطينية المتواجدة في غزة أعلنت عن التزامها بالتهدئة، كما ناشدت الحكومة المقالة بغزة المجتمع الدولي لتحمل مسئولياته في تجنيب المدنيين من القصف والاغتيالات المبرمجة.. كما أعلن الرئيس الفلسطيني أنه سيقلب الطاولة إذا قامت إسرائيل بعدوان على غزة.. ولكن لا يمكن إغفال الانتباه الى أن هناك سيناريوهات إسرائيلية عدة لمواجهة التطورات، فمن يدري لعل إسرائيل تنتظر تصعيدا فلسطينيا لكي تكمل أهدافها التي لم تنجزها في حرب غزة السابقة، ولعل إسرائيل تريد أن تنهي الشكل الباهت للسلطة في الضفة، وإحباط نشاط الحكومة في الضفة، حيث نالت ثقة المجتمع الدولي على طريق التهيئة للإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية..
-
إن غزة تدفع ثمن الفوضى الفلسطينية والاضطراب العربي من دم أبنائها وأمنهم، ولا يتضح إلى أي نقطة تريد إسرائيل أن تصل بالأمور.. ولكن على مستوى الاستشراف القريب، تبدو أهداف العدوان الإسرائيلي الجديد تدور حول إحباط المصالحة الفلسطينية، وكما أعلن نتن ياهو: على عباس أن يختار إما المفاوضات مع إسرائيل أو المصالحة مع حماس.. هكذا يمكن فهم ما يجري الآن، فهل يتقدم الفلسطينيون ـ وتحت القصف ـ للإعلان عن المصالحة وإنهاء التشرذم والتنازع؟