استفزازات باريس المتكررة تؤكد عدم الجدية في ترميم العلاقات مع الجزائر
تتجه العلاقات الجزائرية الفرنسية مجددا إلى طريق مسدود، وهي القراءة التي تسندها ثلاثة مؤشرات قوية، برزت في الآونة الأخيرة. والمثير في الأمر هو أن فرنسا التي تدعي الحرص على مد الجسور مع الجزائر، هي التي تتسبب في كل مرة في خلق الانتكاسات الواحدة تلو الأخرى.
أولى هذه المؤشرات، ما كشف عنه بيان اجتماع مجلس الوزراء المنعقد الأحد الخامس من أفريل 2026، والذي أكد أن الطرف الفرنسي رفض التجاوب مع 61 إنابة قضائية، تخص مطلوبين للعدالة في الجزائر، تورطوا في نهب المال العام، وارتكبوا جرائم إرهابية بحق الدولة.
علي ربيج: لا يمكن إصلاح ما أفسده ماكرون إلا بذهابه
أما ثاني المؤشرات على انزلاق العلاقات الثنائية إلى مستوى سحيق، فيتمثل في الاتهامات المستفزة التي صدرت عن المدعي الفرنسي لمكافحة الإرهاب، أوليفيي كريستيان، تجاه الجزائر نهاية الأسبوع المنصرم في حوار أجرته معه “فرانس إنفو” العمومية، والذي وصفته السلطات الجزائرية بـ”الاتهام البائس”.
فيما يتمثل المؤشر الثالث في محاولة إدارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الالتفاف على قرارات العدالة الجزائرية السيدة، عبر التوسل إلى بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر، من أجل التوسط لدى الرئيس عبد المجيد تبون، خلال زيارته إلى الجزائر بعد نحو أسبوع من أجل إطلاق سراح الصحفي الفرنسي، كريستوف غليز، المتورط في تهم دعم الإرهاب والإشادة به.
السلطات الجزائرية وكعادتها لم تترك الاستفزاز الفرنسي يمر من دون أن ترد عليه، حيث هاجمت المدعي العام الفرنسي لمكافحة الإرهاب عبر مصدر مأذون في وزارة الخارجية، وصف ما صدر عنه بأنه “تهجم بائس”، كما عبرت عن “استنكارها وازدرائها” الشديد لذلك، وقالت إن ما صدر عن أوليفيي كريستيان استخدم في سياق تأجيج التوتر السياسي بين البلدين، الذي كان يستثمر فيه وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو.
ويضاف رد الخارجية الجزائرية هذا، إلى استدعائها الأسبوع المنصرم القائم بالأعمال بسفارة فرنسا في الجزائر قبل نحو أسبوع، لتبليغه احتجاج السلطات الجزائرية على تمديد مدة سجن الموظف القنصلي الجزائري في فرنسا خلافا للأعراف الدبلوماسية والقنصلية المعمول بها، استنادا على اتفاقية فيينا لسنة 1961، وهي من المؤشرات الإضافية أيضا على أن العلاقات بين الجزائر وباريس تتجه نحو مصير مجهول.
وتعليقا على هذه التطورات، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولة بالمدرسة العليا للعلوم السياسية، النائب علي ربيج، أن طي صفحة الخلافات بين البلدين تبدو بعيدة المنال في الوقت الراهن، أو بالأحرى مادام الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لا يزال سيد القرار في قصر الإيليزي.
وقال علي ربيج في تواصل مع “الشروق” معلقا على الموضوع: “كنت ولا زالت من المقتنعين بأن استعادة العلاقات الثنائية لهدوئها مرهون بذهاب الرئيس الفرنسي ماكرون. ومادام أنه لا يزال صانعا للقرار في فرنسا فلا آفاق ولا أفق ولا مستقبل لهذه العلاقات”.
وأضاف أن: “ما حصل طيلة فترة حكم الرئيس الفرنسي الحالي وما يحصل على صعيد العلاقات الثنائية، هو عبارة عن تحرشات وضغوطات مستمرة من إدارة ماكرون من أجل افتكاك موقف أو قرار أو مراجعة لموقف من قبل الجزائر في ملف الذاكرة أو قضية الهجرة أو على صعيد ملفات الاقتصاد والتجارة”.
وتوقع أستاذ العلوم السياسية أن تستمر “هذه التحرشات” مادام ماكرون في سدة الحكم، وتوقع من الجزائر أن تلوذ بما أسماه “الصبر الاستراتيجي” الذي يجب أن تتحلى به، خاصة على مستوى السياسة الخارجية، وأن تكون ردود الأفعال مدروسة بعناية، حتى لا نقع في الفخ ونترك له فرصة للتشويش على الجزائر أو تشويهها، من خلال تحريك أدواته السياسية والاقتصادية والإعلامية في داخل فرنسا وفي خارجها.
ومن خلال رد وزارة الخارجية وتلميح بيان مجلس الوزراء إلى وجود رفض من قبل الإدارة الفرنسية في التعاون مع الجزائر قضائيا، يجزم علي ربيج أن “حدوث أي انفراج في العلاقات الثنائية يبدو مستبعدا تماما، لأن ماكرون لا يفكر إلا في مصالحه ولا يفكر في مصير العلاقات الثنائية”.