استقالة الخاسرين!
القرار القاضي باستقالة المكتب السياسي، لحزب الحرية والعدالة، تبعا لنتائج الانتخابات التشريعية التي لم تمنح له ولا مقعدا، تظهر وكأنها تصرّف غريب وعجيب، لأن الطبقة السياسية، لم تتعوّد على مثلا هذه القرارات الجريئة والطبيعية، بعد أيّة نكسة أو هزيمة، وحتى إن كان حلّ هذا الحزب، مثلما أعلنه محمد السعيد بعد إعلان نتائج التشريعيات، إجراء موجعا وظالما، فإن مثل هاته التصرفات قد تعيد الثقة والمصداقية للطبقة السياسية في الجزائر، لو تحوّلت إلى تقليد وليس مجرّد تغريد!
كان بالإمكان تبرير هزيمة الحرية والعادلة، بأنه حزب فتي، وعمره لا يتجاوز الشهرين فقط، وأنه لا يجب قياس شعبيته وقواعده النضالية، بمجرّد هزيمته النكراء في أول انتخابات أسابيع قليلة بعد اعتماده والترخيص لنشاطه، لكن الحديث عن حله واستقالة مكتبه السياسي، هو في كلّ الأحوال، ضربة مؤلمة للانتهازيين والوصوليين والطمّاعين، الذي أرادوا ركوب هذا الحزب الجديد للترشح ودخول البرلمان!
لقد كشف رئيس الحرية والعدالة، أن وجوها اسقالت من الحزب، بعد ما تم رفض ملفات ترشحهم، وقال محمد السعيد، أنه يريد بناء حزب والترسيخ لتقاليد وأعراف النضال، ومثل هذا الفعل وردّة الفعل، تشير إلى الأمراض التي تنخر الأحزاب، فغياب ثقافة الاستقالة ورمي المنشقة والانسحاب بشرف، عندما تقتضي الضرورة، تفسّر هشاشة الطبقة السياسية، واختزال نفسها في صراع الترشيحات والمكاسب والمناصب، وفي قيادات تؤمن بالتغيير خارجها وتكفر به داخلها!
كان من المفروض أن تسارع أحزاب أخرى إلى موقف الحرية والعدالة، فيُعلن مثلا عبد الله جاب الله وعبد المجيد مناصرة ولويزة حنون وموسى تواتي وشلبية محجوبي وعمر بوعشة، وغيرهم من القياديين، الذين أعطوا الانطباع أنهم “متجذرون شعبيا”، أو أنهم أحزاب قديمة، يُعلنون عن الاستقالة، أو على الأقل ”معاقبة” المتورطين في هزيمتهم خلال المعركة التشريعية!
أن يبرّر هؤلاء، حصريا وفقط، الفشل في تحويل أصوات مناضليهم ومحبّيهم، ويعلقون العجز على مشجب التزوير، فإن ذلك ما هو إلاّ الشجرة التي تغطي الغابة، فحتى وإن حدث تزوير، فعلى تلك الأحزاب التي تعتبر نفسها “ضحية تزوير”، أن تتحمّل مسؤوليتها، لأنها لم تتمكن من منع هذا التزوير، ولم تحم أصوات مناضليها وفشلت في مراقبة وحراسة مكاتب التصويت وصناديق الاقتراع!
إلى أن يثبت العكس، مازال النضال داخل أغلب الأحزاب، محصورا في الترشح و”الهفّ” والتناطح حول المناصب والحقائب، والبحث عن الزعامة وتمتين وتمكين الحاشية، من باب أن الأقربين أولى بالمعروف، ولذلك، أصبحت الاستقالة وتحمّل المسؤوليات، ظاهرة مرضية، بالرغم من أن الممارسة السياسية في كل بقاع العالم وعبر تاريخ كل الديمقراطيات، تشهد بأن المنهزم عليه أن يرحل، أو على الأقل يبدي نيته في الرحيل، ليترك الكلمة بعدها للقواعد النضالية لتفصل في مصيره!
لم يُبادر ولا رئيس تشكيلة سياسية، إلى تحمّل المسؤولية، تبعا لإرادة المواطنين وكلمة الصندوق، وهو المرض الذي تحوّل مع مرور الوقت إلى عدوى لا تختلف عن الكوليرا والطاعون والحمى المالطية، أصابت الوزراء والولاة والأميار والعديد من المسؤولين، حيث قرروا الإمساك بأيديهم وأسنانهم في مناصبهم، حتى وإن عرّضت مهازلهم وسوء تسييرهم ونرجسيتهم، البلاد والعباد إلى مخاطر بالجملة والتجزئة!