اعتذارات
كنت في بداية شبابي معجبا كثيرا بالأخ أحمد ابن بلة – غفر الله له -، وكان عذري في ذلك الإعجاب، بل في ذلك الحب “الأعمى” أنني كنت شابا أميل إلى العاطفة، التي كانت باردة نحو الأخ هواري بومدين –غفر الله له- لأنه “انقلب” على من أتانا بـ “رسالة” كما كان يقول…
لما تقدمت بي السن بدأت الصورة تتغير، وبدأت أزن الرجل بما له وبما عليه، فلم أبخسه أشياءه، ولم أعد منبهرا به…وانتهيت إلى تحميل الأخ ابن بلة جزءا من علل الجزائر..وفي ديننا أن “من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.. ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها..”.
لقد قرأت منذ فترة قصيرة في كتاب “الاستقلال المصادر” لفرحات عباس – رحمه الله – أن الأخ أحمد بن بلة بعدما أطلق الأخ الشاذلي ابن جديد سراحه “بدا كأنه معترف بأخطائه الأولى فذهب إلى ابن خدة واعتذر عن سلوكه اتجاهه”. (ص 175) ..وقد جمعتني مناسبة بالأخ محمد العربي دماغ العتروس بحضور الأخوين عبد الله عثامنية، وعبد الرزاق قسوم، فسألت الأخ دماغ العتروس عن زيارة الأخ ابن بلة للأخ ابن خدة فأكد لي ذلك بعدما كان قد اعتذر عن استقباله.. ومعلوم أن الأخ ابن بلة قد قال للأخ بن خدة كلاما “سوقيا” في مؤتمر
طرابلس، مما جعل الأخ صالح بوبنيدر (صوت العرب) يرد على الأخ ابن بلة ردا أسوأ..(انظر كتاب محمد حربي: جبهة التحرير: سراب وحقائق).
أحمد ابن بلة لم يكن “صادقا” في الاعتذار عما فعله نحو الإمام الإبراهيمي، بدليل أنه زار – بعد إطلاق سراحه – ضريح الحاج ميصالي، وقرأ الفاتحة على روحه، والتمس له الأعذار عن موقفه نحو الثورة، ولكنه لم يقف على ضريحيْ الإمامين ابن باديس والإبراهيمي اللذين اتهمهما بـ”عدم الوطنية”.
ولاشك في أن الأخ ابن بلة قد اعتذر من الأخ حسين آيت أحمد عندما التقيا ونسّقا مع بعضهما في عمليهما ضد النظام الجزائري في ثمانينات القرن الماضي ولست أدري إن كان الأخ ابن بلة قد اعتذر للأخوين بوضياف وبيطاط وقد علمنا أن الأخ ابن بلة التقى بوالدة الأخ محمد شعباني –رحمه الله- وألقى معاذيره…”مبرئا ذمته من دم ابنها” بعدما حاول إغراءها بقليل من “وسخ الدنيا”.
كما علمت أن الأخ ابن بلة بذل ثلاث محاولات للالتقاء بالأخ أحمد طالب الإبراهيمي، وتوسط لذلك بكل من الشيخ عبد الرحمن شيبان، والأخ محمد لبجاوي، (وهو غير محمد بجاوي) والأخ بوبكر بلقايد – غفر الله لهم – ولكن الأخ أحمد طالب رفض استقبال الأخ ابن بلة، رادا على المتوسطين بأنه يقبل اعتذار الأخ ابن بلة عما ارتكبه في حقه، ولكنه لن يقبل اعتذار ابن بلة عما فعله تجاه والده الإمام محمد البشير الابراهيمي…
وقد نبهني أحد الإخوة إلى أن الأخ أحمد ابن بلة لم يكن “صادقا” في الاعتذار عما فعله نحو الإمام الإبراهيمي، بدليل أنه زار – بعد إطلاق سراحه – ضريح الحاج ميصالي، وقرأ الفاتحة على روحه، والتمس له الأعذار عن موقفه نحو الثورة، ولكنه لم يقف على ضريحي الإمامين ابن باديس والإبراهيمي اللذين اتهمهما بعدم الوطنية، خاصة أنه يعلم أنه عندما كان هو “يدافع” عن فرنسا في جبل كاسينو كانت فرنسا تنفي الإمام الإبراهيمي إلى آفلو في سنة 1940، وأن أول بيان مؤيد للثورة كان للإمام الإبراهيمي في نوفمبر 1954 خطيئة الأخ أحمد بن بلة – غفر الله له- أنه “تهافت” على السلطة، وقَبِل أن يأتيها من غير بابها، فقبل ما عرضه عليه الأخ بومدين، واعتدى على “الشرعية” ولو كانت تلك الشرعية “شكلية” أو “منقوصة”، أو “منعدمة”.
وعندما “تربع” الأخ ابن بلة على الكرسي انتهج سياسة “فرعون” وقال: “ما أريكم إلا ما أرى”، ومسّ من كانوا معه في السجن (خيضر – بيطاط – بوضياف – آيت أحمد) بسوء ..فانفضوا من حوله، وكانت سياسته غير الحكيمة وغير الرشيدة هي التي أدت إلى تردي الأخوين شعباني وآيت أحمد اللذين كلفا الجزائر ما كلفاها من رجال وأموال..ومن هذه السياسة “غير الحكيمة وغير الرشيدة انحياز الأخ ابن بلة إلى صف “الرئيس” جمال عبد الناصر في خلافه مع المملكة العربية السعودية، وقد “قدم اعتذارات للسعوديين عن الكلام غير اللائق الذي قاله لهم”. (الاستقلال المصادر ص 176). وقد حدثني الشيخ العباس ابن الحسين الذي كان سفيرا للجزائر في السعودية آنذاك عن بعض عتاب الأمير فيصل وزير الخارجية السعودي أيامئذ…واستغرابه من تصرف الأخ ابن بلة الذي لا يصبر على طعام واحد. كل هذه الاعتذارات كانت ستكون لها قيمة وأهمية لو تمّت والأخ ابن بلة في السلطة، أما وقد وقعت بعدما صار إلى ما صار إليه فهي كلمات الكلمات هو قائلها، وربما لو بقي في السلطة لما فكر في الاعتذار، فـ “الكرسي يدوّخ” كما قال الأخ بوتفليقة الذي كادت “نار” الأخ ابن بلة أن “تشويه”.. إن من أسباب أخطاء الأخ ابن بلة عندما كان “يأمر وينهي” قلة نصيبه من العلم والتجربة… ومن اتخذهم بطانة من الشيوعيين أجانب وجزائريين.