الرأي

اعتراف فرنسي.. بالتقسيط!

جمال لعلامي
  • 3757
  • 2

هل يُمكن القول بأن الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند “شلخ العرف” بفرنسا، بعدما اعترفت هذه الأخيرة في عهده، وعشية عيد الثورة التحريرية الجزائرية، بمسؤوليتها في مجازر 17 أكتوبر بنهر السين؟، وهل هذا الاعتراف هو خطوة في طريق الألف ميل للاعتراف بجرائم الاستعمار الفرنسي؟، أم أن الاعتراف بـ “القمع الدموي” للمتظاهرين المطالبين بالاستقلال، ما هو سوى محاولة للتنصل من مطلب الاعتذار؟

المهم، أن خليفة نيكولا ساركوزي، يكون قد بادر برسائل “حسنة النيّة” قبل أسابيع قليلة من زيارته الرسمية إلى الجزائر، لكن الذين يعرفون “تلاعبات” ومراوغات “فافا”، لا يتوقعون الكثير من قرار الاعتراف بمجازر 17 أكتوبر 1961 .

..وقد تكون مجرّد مخطط لاختزال “عدد الضحايا” الواجب الاعتذار لهم وتعويضهم وتعويض أبنائهم وعائلاتهم وأراملهم عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحق بهم بسبب الاستعمار والأرض المحروقة!

فرنسا حسب مؤرخين وسياسيين مخضرمين وقانونيين، تتهرّب من الاعتراف، لأن هذا الاعتراف سيحتـّم عليها الاعتذار، والاعتذار يقتض التعويض، وفرنسا قد تجد نفسها عاجزة مفلسة عن تعويض الملايين من الجزائريين، وغير قادرة أيضا على معاقبة آلاف الفرنسيين من العسكريين والسياسيين والمعمّرين الذين اغتصبوا الأرض والعرض!

فرنسا بمنظور آخر، اعترفت بالجرائم المرتكبة فوق أراضيها، ولم تعترف بالجرائم المقترفة فوق الأراضي الجزائرية المسقية بدماء الشهداء الأبرار والجزائريين الأحرار، لما لا يقلّ عن 132 سنة من الاستيطان والاحتلال والاستعمار، فهل تريد فرنسا مهلة من 132 سنة للاعتراف؟

الجزائريون يطالبون باعتراف كامل وشامل، أمّا أن تلجأ فرنسا إلى اعتراف مبتور ومقطوع وانتقائي، واعتراف بالتقسيط المملّ، فإن هذا دليل آخر على الجانب الفرنسي مازال يصرّ على التهرّب من تحمّل تبعات الجرائم الاستعمارية، ومازالت تتهرّب من إرجاع الحقّ لأصحابه!

قد يكون قرار هولاند، مجرّد مخرج نجدة لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، وتخليص فرنسا من لعنة الشهداء التي تلاحقها، وستبقى تلاحقها إلى أبد الآبدين، لأن الدم الجزائري الذي استباحته فرنسا الاستعمارية، لا يُمكن اختزاله في الذي سال بنهر السين، وعلى فرنسا أن تعترف بجرائمها المرتكبة فوق التراب المُستعمر، والذي لم يتحرّر إلاّ بالحديد والنار ومليون ونصف مليون من الشهداء.

نعم، لا يُمكن طيّ صفحة الذاكرة التاريخية بين الجزائر وفرنسا، عن طريق التقطير ومنطق “التعنتير”، ولذلك فإن الاعتراف بمجازر 17 أكتوبر، ما هو إلاّ قطرة من بحر عميق، على السلطات الفرنسية أن تتحمّل مسؤولية جرائم الاستعمار، وتبتعد عن محاولة استحمار الرأي العام، بقرارات تهدف إلى ذرّ الرماد في العيون تطبيقا للنهج الاقتصادي الذي يردّ فوائد الديون المركبة ويمتنع عن تسديد الديون!

لا ينبغي تفتيت المسؤولية الجنائية والتاريخية في جرائم الاستعمار الفرنسي، بمعنى أن الثورة التحريرية كانت واحدة موحدة، وعلى الاعتراف والاعتذار والتعويض أن يكونوا أيضا واحدا موحدا، وبعيدا عن نهج التفريق بين الجزائريين الذين قدّموا دمهم ومالهم وأبناءهم قربانا لجزائر حرّة ومستقلة وذات سيادة.

ما حدث في عهد هولاند، يستحقّ المتابعة، بدل الاهتمام، لأنه قد يشكّل الدليل الواجب استعماله ضد المذنب لإرغامه على الاعتراف الكلّي، طالما أن المجرم عاد إلى مسرح الجريمة، فتمّ إلقاء القبض عليه متلبّسا بطمس جريمته مع سبق الإصرار والترصد!

مقالات ذات صلة