اغتيال الأمل باغتيال الدين والعقل
عندما هبّت نسائمُ الرّبيع العربيّ عاد الأملُ لكثير من الأحرار، وتفاءلوا بتكافؤ الفرص وحلول العدالة في توزيع الثّروة، على نحو ما كانوا يأملون فيه حينما خرج الاستعمارُ من بلادهم، لكن سرعان ما تمّ احتواءُ التّجربة الجديدة، وأدرك النّاسُ أنّ الحريّة والدّيمقراطية ليستا كافيتين لتنظيم الشأن الدّاخلي، ولابدّ لتحقيق ذلك من إرضاء أطراف عديدة، في الدّاخل وعلى الجانب وفي العالم أجمع، كما أدركوا أنّه لا جدوى لأصواتهم واختياراتهم، وأنّهم يعيشون في غابة تهيمن عليها حيواناتٌ مفترسةٌ لا يسلَم من يفكِّر في الخروج عن طاعتها أو يحاول إيجاد مكانٍ له بينها، إلاّ إذا كان يضع في اعتباره أنصبتَها في المحاصيل الّتي تُصدِرها الغابةُ، أو أن يعيش في خدمتها مقابل السّماح له بما هو فُتاتٌ بالنّسبة لما تحصُل عليه.
هذا هو منطق الأقوياء المستبدّين مع الضّعفاء المغلوبين، وإذا فكّر الضّعفاء في رفع الظّلم عنهم يوجِد لهم المستبِدّون مِن بينهم مَن يُفسِد عليهم تفكيرهم، ويصوِّر لهم أنّ الخروج عن الاستجابة للظّالم هو شروعٌ في الفساد أو هو عين الفساد، ويبرّر ذلك بأنّ الظّالم مع ما فيه من الظُّلم، فإنّه يحرس الأمّة ويحفظ مصالحَها ويدفع المفاسد عنها، وأنّ الضّعفاء بما أنّهم لا يستطيعون تحقيق هذا التّوازن، فإنّهم يسعون إلى إفساد الأمّة وتفويت مصالحها. لكن ما هي المفاسدُ الّتي يحذّرون الضّعفاء من الوقوع فيها؟ وما هي المصالحُ الّتي يخافون من تفويت الضّعفاء لها؟ كلُّ ذلك لا يعرِّج الأقوياءُ عليه أو لا يقفون عنده كثيرًا؛ لأنّهم يُعوِّلون على ما استقرّ في ذهن الضّعفاء انطلاقًا من الدّين، أنّ دفع المفاسد أولى من جلب المصالح، ثمّ يراهن الأقوياء على الحرب النّفسية، عندما تشتد الأزمةُ وتقوى المحنة بين أنصار الحقّ والرّافضين له، على نحو ما يحدُث في الحروب وفي النّزاعات بين الأطراف المتخاصمة، وحينما تُسفِر المعركة عن انتصار المظلوم تبدأ هنا ذكرُ تضحيات المنتصِر والإشادة ببطولاته، فالفصلُ في المعارك من هذا النّوع إنّما مردُّه إلى الضّغوط الّتي يمارسُها الأقوياء، ويقع الرِّهانُ على الصّبر الّذي يلتزمه أنصارُ القضيّة العادلة.
لكن عندما يُستعمَل في الصِّراع السّياسي أغلى ما يستجيب له الإنسانُ وهو الدّين، ويتمّ استدعاءُ المذهب الدّيني أو الخصومة المذهبية، وتُهيَّأ كلُّ الظّروف ليصبّ المذهبُ جامّ غضبه وانتقامه على خصمه، وتُقطع الطّريق أمام الطَّرَف الآخَر ليعبِّر عن رؤيته الفكرية أو إيديولوجيته، يصعُب الاستئناس بالصّبر في مواجهة اليقين؛ لأنّ الإنسان يصبر على الظّنون والأوهام والشّكوك، أمّا اليقين الّذي مورِده الدّين فلا طاقة له عليه.
وأكبرُ الضّغوط الممارسة في تحالف القويّ مع الدّيني، في افتعال الصّراع بين العقل والدّين أو دعوى تقديم الدّيني على العقلي مطلَقًا، ليس غيرةً على الدّين وإنّما من أجل استغفال الضّعفاء لصالح الأقوياء، بالتّأثير في عقولهم من خلال الدّين فيقعون في حبائلهم وحيَلهم. وقد يُستغرَب إقحامُ تقديم الدّيني على العقلي في استغفال الضّعفاء لصالح الأقوياء، وتفسيرُه أنّه إذا تمّ احتواءُ العقل بالدّين، على النّحو الّذي تُسوِّق له بعض القراءات الدّينية، مثل قولهم “إذا جاء نهر الله بَطَل نهر مَعقِل”، وقولهم “لا اجتهاد مع النصّ”، أو قولهم “لو كان الدّين بالرّأي لكان مسحُ أسفل الخفّ أولى من أعلاه”، وغيرها من الأقوال الواردة في هذا الباب، فسيتمّ تعطيلُ العقل من المعاش تمامًا، ويكون الضّعفاءُ تحت قهر أصحاب النّفوذ والقوّة؛ لأنّ هذه الأقوال رغم صحّة مضامينها إلاّ أنّها واردة في غير السّياق الصّحيح لها، فإنّ الدّين لم يأت أبدًا لمصادمة العقول، كيف وقد أُسِّس الدّين على محكمات العقول، فلو أخذنا في هدم العقل بالدّين لكنّا نسعى لهدم الدّين من حيث نظنّ المحافظة عليه، لكنّ منشأ الاختلاف في هذا الموضوع، في تحديد ما هو ديني وما هو عقلي، فإنّ أغلب النّاس يتصوّرون أنّ كلّ ما يصدُر من جهة الدّيانة دينيٌ، كما أنّ جميع ما يصدُر من جهة العقل عقليٌّ، وليس الأمرُ كذلك، فالمقصودُ بالدّين مرادُ الله من كلامه، كما أنّ المقصود بالعقل ما يجتمع العقلاء على اعتباره عقلاً، وكلامُ الله تعالى له مراتبٌ في الدّلالة على مراده، إذْ فيه ما هو صريحُ الدّلالة لا يحتمل غير الملفوظ به، وهو ما يُسمّى في علم أصول الفقه بالنصّ أو المحكم، وفيه ما تتفاوت دلالتُه على المراد، بين أن تكون دلالتُه على أحد المعاني أقوى أو أرجح من دلالته عل غيره، وهو ما يسمّى بالظّاهر، وفيه ما تكون دلالتُه على معانيه في رتبةٍ واحدة ويسمّى بالمشترك، وفيه ما تكون دلالته على معانيه غير بيّنة ويسمّى بالمجمل، ولا يُعتبر قسمٌ من هذه الأقسام دالاّ على مراد الله قطعًا إلاّ الأوّل، وهو ما يقول فيه الأصوليّون لا اجتهاد مع النصّ؛ أي لا يجوز الاجتهادُ في تحديد ما تحدّدت دلالته نصًّا من الله، أمّا الأقسامُ الأخرى فيطالُها جميعًا الاجتهادُ في تحديد ما هو مراد الله، فالظّاهر الّذي دلّ على أحد معانيه دلالةً راجحةً على غيره، يقول فيه العلماء يجب العمل به دون أن يُعتقَد أنّه مقصود الله تعالى، وإنّما يُعتقد الاحتياط، ولهذا لم يأخذوا به في باب الاعتقاد لابتنائه على اليقين، وصدرت من العلماء عباراتٌ خشنةٌ في ذلك، كقول العلاّمة الصّاوي في حاشيته على تفسير الجلالين (الأخذ بظواهر الكتاب من أصول الكفر؟!)، وغيرُ الظّاهر كالمشترك والمجمل، فمن باب أولى أن يُصار في تحديد دلالته إلى الأدلّة؛ لأنّه أقلّ رتبة من الظّاهر.
لا يُستغرب أن تشتدّ أزمة العقلي في خصومته مع الدّيني؛ لأنّها ليست خصومة بين أطراف علمية، على النّحو الذي كان يحدث في الماضي، وإنّما هي خصومة بين نظامين سياسيين؛ نظام سياسي إسلامي تقليدي ونظام سياسي علماني إلحادي.
أمّا العقل فليس كلّ ما يصدُر عنه يكون في مرتبة اليقين، بل هو على مراتب متفاوتة؛ من العلم إلى الجهل مرورًا بالظن فالشكّ فالوهم، واصطلح العلماء على تسمية الأوّل عقلاً، وسمّوا المراتب الأخرى بعده تعقُّلاً أو عملاً عقليًا. ولا يقع التّفاوت أو التّعارضُ بين المُدرَكين النّقلي والعقلي في مرتبة اليقين، أمّا المراتب الأخرى في كلا المورِدين فوقوعُ التّعارض فيها واردٌ، فيسعى المجتهد إلى رفعه على الممكن عقلاً أو نقلاً.
وهذا المنطق في التّعاطي مع النصّ الدّيني محلّ تسليم في المنظومة المعرفية الإسلامية، لكن غلبة القراءات الشاذّة في التّراث الإسلاميّ خلال المرحلة الرّاهنة، داخل الجسم السنيّ أو الشّيعي، هو الّذي غيّب القراءة العلمية الواعية للدّين، حتّى عُدّ الدّين أو المقدَّسُ كلَّ غامض وخفيّ، أو ما لا يلتقي مع العقل، كما عدّ العقلُ كلَّ تعقُّل يؤدّي إلى الإلحاد أو اللاّدينية، وهو ما جعل بعض القراءات الدّينية الشاذّة الّتي نتكلّم عنها، متحالفةً مع التيّارات العلمانية المتطرّفة الخصيمة للدّين. ولهذا لا يُستغرب أن تشتدّ أزمة العقلي في خصومته مع الدّيني؛ لأنّها ليست خصومة بين أطراف علمية، على النّحو الذي كان يحدث في الماضي، وإنّما هي خصومة بين نظامين سياسيين؛ نظام سياسي إسلامي تقليدي ونظام سياسي علماني إلحادي، استخدمت فيه العلمانية كلّ الأسلحة المسموحة والممنوعة، وعلى رأس ما استعملته في هذه الحرب الّتي تعتبرها حربَ المحافظة على الوجود، المقدَّسُ الدّيني الّذي أشربته الرّوحَ العلمانيةَ، وهو ما يجعل الأمل في إصلاح الدّيني صعبًا، على حدّ ما عبّر عنه الشّاعر بقوله:
يا معشرَ القرّاء يا ملحَ البلد مَن يُصلِح الملحَ إذا الملحُ فسد
* أستاذ بجامعة وهران