الرأي

اغتيال الصحفيين: من لبنان إلى فلسطين… جريمة واحدة تُعدم الحقيقة بدمٍ بارد

الصحفي لؤي صوالحة
  • 65
  • 0

حين تُقتل الكلمة، ويُستهدف الشاهد، ويُصمت الصحفي، فإن العالم بأسره يصبح شاهدًا على الجريمة. اغتيال الصحفيين ليس مجرد حادث مأساوي، بل إعلان حرب صريح على الحقيقة، ورسالة واضحة لمن يجرؤ على كشف الجرائم: “من يكتب الحقيقة، لا مكان له على الأرض”.

ما حدث اليوم في لبنان، وما يتكرر يوميًا في فلسطين، يثبت أن آلة القتل لا تقتصر على الجغرافيا، بل تمتد لتصنع صمتًا مدوّيًا حول الواقع، وتحاول دفن الرواية الحرة قبل أن تُسمع للعالم.

ما حدث في لبنان، الذي أودى بحياة المراسلة فاطمة فتوني، والمصوّر الصحفي عباس فتوني، والصحفي علي شعيب، ليس حادثًا عابرًا، ولا خطأً في حسابات الميدان؛ بل فعل متعمّد، يُعبّر عن سياسة واضحة قوامها استهداف الحقيقة في لحظة ولادتها، وقتل الشاهد قبل أن يُكمل روايته.

هذه الجريمة، في توقيتها وسياقها، ليست منفصلة عمّا يجري في فلسطين، حيث تحوّل الصحفي إلى هدف مباشر تُلاحقه النيران لأنه يحمل كاميرا، ويُستهدف لأنه ينقل ما لا يُراد له أن يُرى. من غزة إلى الضفة، ومن لبنان إلى كل ساحة مواجهة، تتكرر الجريمة ذاتها: قصف الحقيقة، ومحاولة إغراقها في الصمت.

إن استهداف الصحفيين، في أماكن عملهم أو في حياتهم المدنية، هو إعلان حرب صريح على الإعلام الحر، ومحاولة يائسة لتكميم الأفواه وحجب الوقائع. فحين تُقصف الكاميرا، ويُغتال الصوت، ويُلاحق الصحفي لأنه شاهد، فهذا يعني أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الرواية أيضًا. وهنا، يصبح الصحفي أخطر من كل سلاح، لأنه يملك القدرة على كشف ما تحاول القوة إخفاءه.

في فلسطين، ارتقى عشرات الصحفيين وهم يؤدّون واجبهم المهني، حاملين شارة “صحافة” بوضوح، لكن ذلك لم يكن درعًا يحميهم من الاستهداف المباشر. واليوم، في لبنان، يُعاد المشهد ذاته، لتتكرّس حقيقة واحدة: أن من يكشف الجريمة يصبح هدفًا لها. إنها سياسة ممنهجة، لا تعترف بالقانون الدولي، ولا تقيم وزنًا للمواثيق الإنسانية، بل تتعامل مع الحقيقة كعدو يجب القضاء عليه.
سياسيًا، تعكس هذه الجرائم عجزًا واضحًا عن مواجهة الرواية الحقيقية. فالقوة التي تثق بنفسها لا تخشى الكاميرا، ولا ترتبك أمام البث المباشر. أما حين تتحول العدسة إلى خطر، فذلك لأن ما تنقله يهدد سردية قائمة على التزييف. ولهذا، يُغتال الصحفي، ليس لأنه يحمل سلاحًا، بل لأنه يحمل حقيقة.

وطنيًا، تختلط اليوم دماء الصحفيين في لبنان وفلسطين، في مشهدٍ يُجسد وحدة المعركة والهدف. لم تعد الجغرافيا تفصل بين ساحات الاستهداف، لأن الرصاصة التي تُطلق لإسكات صوت في الجنوب اللبناني، هي ذاتها التي تُطلق لإسكات صوت في غزة أو الضفة. إنها حرب مفتوحة على الوعي، وعلى الذاكرة، وعلى حق الشعوب في أن تُروى قصتها كما هي.

أما إنسانيًا، فإن اغتيال الصحفيين يمثل سقوطًا أخلاقيًا صارخًا لكل منظومة القيم التي يدّعي العالم حمايتها. فحرية الصحافة، التي تُرفع كشعار، تُنتهك يوميًا دون رادع، والعدالة التي يُفترض أن تُحاسب، تغيب حين تكون الحقيقة ضحية. إن الصمت الدولي أمام هذه الجرائم لا يمكن تفسيره إلا كعجزٍ فاضح، أو تواطؤٍ صريح، يفتح الباب أمام مزيد من الدم.

ورغم كل ذلك، لم تنجح الرصاصة يومًا في قتل الكلمة. لأن الكلمة، حين تُكتب من قلب الميدان، وتُروى بدم أصحابها، تتحول إلى ذاكرة لا تموت، وإلى وعي يتسع، وإلى حقيقة يصعب طمسها مهما اشتد القمع.

وفي الختام … ما جرى في لبنان اليوم، وما يجري في فلسطين كل يوم، ليس إلا فصلًا واحدًا من جريمة مستمرة… جريمة تستهدف الإنسان لأنه يرى، وتستهدف الصحفي لأنه يقول.

لن تُسكت هذه الجرائم الحقيقة… بل ستجعلها أكثر حضورًا.

لن تُطفأ الكاميرات… بل ستتحول إلى عيونٍ لا تنام.

لن يُدفن الصوت… بل سيخرج من تحت الركام أكثر قوةً ووضوحًا.

كل قطرة دمٍ أُريق، وكل صحفيٍ ارتقى، تحوّل إلى شعلةٍ لا تنطفئ، تحرّض على المقاومة بالكلمة، وتضيء الطريق لكل من يجرؤ على قول الحقيقة.

اغتيال الصحفيين قد يحاول إسكات الفرد، لكنه لن يُسكت التاريخ… ولن يُغيّر حقيقة واحدة: الحقيقة تنتصر دائمًا، مهما طال الظلام.

مقالات ذات صلة