الرأي

اغضب.. لا تهرب

محمد سليم قلالة
  • 4860
  • 23

من حق شبابنا أن يغضب، ولكن ليس من مهمته أن يهرب. من حقّه أن يغضب من الواقع الذي يعيش، من السياسات العامة التي تصنع واقعه، من الوعود الكاذبة وسياسات التسويف والإلهاء، من نوعية الرجال والنساء الذين يحكمونه، ومن كل تلك الممارسات السلبية التي لا تُحصى ولا تُعدّ.. ولكن ليس من حقِّه أن يهرب.

الواقع الذي يعيش هو جزءٌ من مسؤوليته، ويتحمَّل جزءا من واجب تحسينه، والفرار إلى غيره هو نوعٌ من البحث عن وسيلة فردية إما للهلاك لا قدّر الله، أو لإنقاذ الذات دون الآخرين. أليس في ذلك نوعٌ من التخلي عن جانب من العَقد المعنوي الذي يربطه بمجتمعه، بأن يعمل ويكدّ لأجل تحقيق حلم الشهداء في بناء الدولة العصرية الاجتماعية ذات السيادة في إطار المبادئ الإسلامية…؟

لمن يُترَك هذا البلد إذا ما غادره شبابُه، إن جسديا أو ثقافيا أو روحيا؟ لكهوله الذين استنزفت طاقاتهم؟ أم لشيوخه الذين أفناهم العمر؟

من يقاوم الفساد والرداءة إذا استسلم الشباب وغادروا؟

من يحارب اليأس ويصنع الأمل؟

هل قوارب الموت عبر البحر الأزرق هي طريق النجاة؟ أم “كليبات” الفضاء الأزرق هي البديل؟

 لِمَ نستبدل الوقوف بثبات على الأرض الصلبة المتينة بركوب ألواح تتقاذفها أسطح مائية رخوة؟ ولِمَ نستبدل الغوص في أعماق الواقع والاستنجاد بقدراته، بالإبحار في عوالم افتراضية لا نعرف مَن يصنعها ولا مَن يُديرها؟

إننا اليوم في حاجة إلى مراجعة أنفسنا: من واجب الجيل الحاكم أن يُعلن نهاية مهمته، ذلك ما استطاع أن يفعل حيث أصاب، وذاك ما لم يستطع أن يفعل حيث أخطأ. ومن واجب الجيل الوسيط أن يمنع الانفصال بين عُرى المجتمع ويُعزِّز الترابط بين الأجيال. ومن واجب الجيل الحالي أن يتحمَّل مسؤوليته، ليس من خلال العالم الافتراضي الذي كاد يُصبح عالمَه الجديد، ولا من خلال الهروب الحقيقي والمفتَرَض عبر مختلف المنافذ، إنما من خلال النزول إلى الواقع والعمل على تحسينه.

إننا، بكل تأكيد في حاجة إلى مثل هذه القرارات وهذه التنازلات. كلٌّ من موقع جيله عليه أن يتحمَّل مسؤوليته، مع فارق بسيط أن جيل الشباب، جيل الغد هو الذي بيده التحكم في بقية المسار.. إذا كان بالفرار عبر البحار أو عبر الإبحار (في عالم الإنترنت المفترض) فمصيرنا بلا شك الاندثار إن اليوم أو غدا، أما إذا كان بالثبات والعودة إلى الذات بجميع مكوِّناتها الدينية والثقافية، المادية والمعنوية، فإننا بإذن الله باقون منتصرون، وذاك ما نبغي، وذلك هو الأمل.

مقالات ذات صلة