الرأي

اقتصادُنا

محمد سليم قلالة
  • 3168
  • 14

الدعوة إلى اعتماد أساليب جديدة للتمويل غير الربوي لاستقطاب ملايير السوق الموازية، ينبغي في تقديري أن لا تكون منفصلة عن التفكير في إعادة النظر في النّمط الاقتصادي والمالي الذي تعتمده بلادنا، ذلك أننا لا يمكن أن نُجزِّئ الخيارات المتطابقة مع أحكام الشريعة فنقبل بجزء منها ونرفض الآخر أو نسعى للاستفادة من جانب منها والتنكر للجوانب الأخرى.. كما أنه علينا ألا ننسى أن نظام الإسلام هو نظامٌ متكامل في جوانبه المختلفة ولا يُمكن أن يستقيم إلا بأخذ جميع هذه الجوانب في الاعتبار إذا ما كُنَّا نسعى حقيقة إلى البحث عن بدائل استراتيجية نتجاوز بها الصعوبات التي نعرف، لا عن حلول ظرفية ومُسكِّنات سينقضي مفعولها بعد حين.

الاقتصاد العالمي، عرف نظريات اقتصادية تبدلت باستمرار، مِن دَعْه يعمل دعه يمرّ ( آدم سميث ـ ريكاردو  في القرنين 18 و19) إلى تدخُّل الدولة التام في الحقبة الاشتراكية (الماركسية اللينينية)، إلى (تدخُّل الدولة أثناء الأزمات فقط) الكينزية بعد 1929، إلى الليبرالية الجديدة على الطريقة الأمريكية التي تقوم على الحرية المطلقة والخصخصة والحد من إنفاق الدولة، كما هو الحال في العصر الأمريكي الحالي (فريدمان)…  وكُنَّا باستمرار نعيش على أطراف هذا التحول ونتأثر بانعكاساته في تاريخنا المعاصر.

لم تكن لنا قطّ مساهمة في البحث عن بديل مختلف يُمكِنه أن يُنقذنا مما نحن فيه ويتطابق مع خصوصياتنا المجتمعية وخبرة المسلمين الاقتصادية قبل الانحطاط، وإذا استثنينا تلك المحاولات التنظيرية التي لاحت في الأفق في بداية الثمانينيات من القرن الماضي عندما بدأنا نقرأ كتاب “اقتصادنا”، وما تلا ذلك من تجربة للصيرفة المعاصرة التي مازالت تجتهد لأنْ تكون متطابقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، فإننا في غالب الأحيان إما نحاول أن نكون رأسماليين غير حقيقيين أو اشتراكيين مُزَيَّفين أو داعين  لاقتصاد إسلامي  بلاءاته الخمس: لا للربا، لا للضرائب، لا للتضخُّم، لا للحد من الحرية، لا للظلم الاجتماعي، دون امتلاك سلطة القرار لتنفيذ كل ذلك…

وكان من نتائج هذا، ما نعرف من تخبُّط اليوم بين اقتصادٍ اشتراكي انهار على رؤوسنا وليبرالية متوحشة أذلَّتْنَا، واقتصاد مواز يشتغل فيه كلٌّ بقناعته، نريد إنقاذ أنفسنا من خلال شريعته. هل يمكننا ذلك؟ يبدو لي أنه علينا إذا كُنَّا بالفعل جادين في هذا المجال أن نفتح نقاشا واسعا حول البدائل الجديدة لاقتصادنا ضمن منظور شامل لطبيعة المجتمع ومستقبله والتحديات التي تواجهه، ولدينا من الكفاءات الوطنية في الداخل والخارج القادرة في هذا المجال، المُلِمَّة بخصائص الاقتصاد العالمي وبأحكام الشريعة، والقادرة فعلا على الجمع بين منظوري أهل الفقه وأهل الحديث، ما علينا إلا تمكينها من القيام بعملها وتركها تتحمَّل مسؤوليتها كاملة إذا أردنا أن يكون لنا “اقتصادنا” حقا. 

مقالات ذات صلة