الآن.. الصهاينة والمخازنة سيّان
عندما اقتنع الصهاينة بعدم جدوى استمرار الاعتماد على عملائهم الذين فضّلوا الانضواء تحت خيمتهم الرثة والتحرك داخلها، وبعد أن استنفدت قدراتهم، راحوا يفتّشون عن آخرين، لاستبدال السابقين بلاحقين من احتياطييهم الذين هيّأوهم، والذين رأوا منهم القدرة على ضمان مصالحهم، وقد يلجأون إلى ركوب التحرك الجماهيري ضد سياسة المخزن وضمن سياسة حساباتهم، ويقومون بدفع بعض العناصر المحسوبة على الحركة الجماهيرية، في غفلة منها، وفي حالة ضعفها، وتشير لهذه العناصر بالتظاهر بمواقف مناهضة لسياسة المخزن وتصدُّرِ المعارضة ويرسمون لها صورة التحرك الملائم بأساليب خبيثة لتحقيق التحرك الحقيقي وتحتويه، ومن ثم، لابد من استخدام الجسور لإدامة الاتصال لتمرّ من خلالها التوجيهات التي تصدر من الدوائر الصهيونية التي تخدم مصالحها.
لقد أدرك الصهاينة أن نظامي البلدين المجاورين لفلسطين قد علاهما الصدأ ولم يعودا مقبولين كوجهين وواجهة لهم، لا في داخل هذين البلدين ولا في المنطقة، وأصبحا عنصرَيْ فشل لسياستهم، ونتيجة لرفض الشعبين في البلدين لسلطات البلدين، وتصاعد الغضب الجماهيري ضدّهما وخشيتهم -أي الصهاينة- من التغيير الحقيقي، وزوال مصالحهم، لذلك قرروا عدم التعويل أكثر على هذين النظامين في البلدين المجاورين لفلسطين المحتلة، وكان أن حطّوا أقدامهم بأرض المغرب علانية، هذه المرة، وبقوة، ورحبت بهم أيهما ترحيب عائلة تدّعي أنها من أحفاد الخليفة الرابع كرَّم الله وجهه، وهل يقبل عليٌّ استقبال من لعنهم الله بهذا الترحاب المذلّ في أرضه وبيته؟
وفي ضوء ما يجري اليوم، بعد نزول الصهاينة وبهذه القوة إلى مراكش الحمراء اختبرت العائلة “الشريفة” على صعيد الداخل، فأظهرت إجادتها لاضطهاد الشعب الرافض لهذه المذلة التاريخية، وتفنّنت بإرهابه وتجويعه، وكانت ساهرة على تمزيق صفوفه، لتقيم على أشلائه المحاور الصهيونية ومراكز القوة الغربية، وقد برع أقطابُ المخزن باستخدام اللعبة السياسية بالدجل وتبادل الأدوار بطريقة لقيت استحسان الصهاينة ومباركة أسيادهم في الغرب، ولكن أسياد الصهاينة لا يريحهم أن تتدهور الأوضاع في المغرب، ليس من باب الحرص والإخلاص للشعب، وإنما لعدم رغبتهم في أن يكون سوءُ الأوضاع وتعقيد الأمور سببا في خروج زمامها من أيدي المخزن العريق في العمالة، ومن العملاء الذين يحرص الغرب على عدم التفريط فيهم، قدر ما يسمح به الموقف وتطور الأحداث.
أصبح المخزن المتصهين أمينا وحريصا على تنفيذ ما يُرضي الصهاينة وأسيادهم في الغرب بتأكيد استمرار اغتصابه لأرض الغير، والادعاء بعائدية أراض أخرى له، على أمل بناء أحلام العائلة “الشريفة” مملكتها الشاسعة لتشمل، ليس فقط ثمانين بالمائة من الأراضي الصحراوية التي تحتلها، بل أجزاء من دول مجاورة ومنها الجزائر، إلا أن شعوب هذه البلدان كانت أبعد وأعمق من حسابات العائلة “الشريفة” الراكعة لليهود بشكل مهين، وأفسدت خططها.
إن وصول الصهاينة الذين يسبغون على أنفسهم صفات “التفتح” و”التسامح” إلى المغرب بهذه الكثافة، برداء العداء وتوجهاتهم الصهيونية ونياتهم الشريرة بتصدير الفتن إلى شمال إفريقيا، كما في المشرق العربي، وإصرارهم على الاستمرار في اغتصاب الأراضي العربية، لم يكن حدثا عاديا، بقدر ما كان إحدى حلقات التآمر الصهيوني الغربي الموجَّه ضد المنطقة ليقوم بمهمَّة تشتيت وحدة شعوب المنطقة، وتمزيق قوامها، وتخريب العلاقات بين شعوب المنطقة، والتضامن على المستوى الشعبي خصوصا، والتمهيد لإيجاد أكثر من حالة توتُّر في شمال إفريقيا، على غرار التوتُّر في المشرق العربي، يتوافق مع الخطط الصهيونية – الغربية، للحؤول دون تحقيق وحدة شعوب هذه المنطقة وإعاقة مسيرتها، ولكي يستمر النفوذ والمصالح الصهيونية والغربية في شمال إفريقيا.
أصبح المخزن المتصهين أمينا وحريصا على تنفيذ ما يُرضي الصهاينة وأسيادهم في الغرب بتأكيد استمرار اغتصابه لأرض الغير، والادعاء بعائدية أراض أخرى له، على أمل بناء أحلام العائلة “الشريفة” مملكتها الشاسعة لتشمل، ليس فقط ثمانين بالمائة من الأراضي الصحراوية التي تحتلها، بل أجزاء من دول مجاورة ومنها الجزائر، إلا أن شعوب هذه البلدان كانت أبعد وأعمق من حسابات العائلة “الشريفة” الراكعة لليهود بشكل مهين، وأفسدت خططها فعجزت عن تحقيق أهدافها المرسومة فتمزقت أوصالها، سبتة ومليلية مثلا.
إن أسيادها الصهاينة يسوءهم أن تتكشف لعبة المخزن مع الجيران لأن ذلك يؤدّي إلى فشل مخططهم الهدام في هدوء، وهم يعلمون علم اليقين قوة الجارة الشرقية، على التصرف والتصدي الحازم.
أصبح المخزن اليوم موضع شجب جماهير المغرب، أو على الأقل أغلبيتها، وهذا مؤشرٌ آخر يضيفه الصهاينة إلى حساباتهم ليقرروا أي الأطراف يمكن التعامل معها، لضمان نجاح مخططهم الجديد.
لقد برهنت الدعوات المكشوفة للتعامل بين المخزن والصهاينة على صواب ما ذهبنا إليه، وبعد أن تمزَّقت أقنعة الزمرة المخزنية، رغم كل الجهود التي بذلها الصهاينة وأسيادهم في الغرب لإنجاح توجههم الجديد في شمال إفريقيا باستخدام المعتقدات الدينية للتسلل بواسطته، ومن خلال بعض العملاء، ومنهم المخازنة، فإنهم لم يتمكنوا من بلوغ غاياتهم، لأن أفراد هذه الزمرة كانوا طلاّب مناصب وعملاء غير مجتهدين في مدارس سادتهم، ويجهلون أنفسهم، أولا، ويجهلون ما يدور حولهم ثانيا، وقد بلغ بهم الغباء مبلغ، وسادت العنترية والسلوك غير المتَّزن كلَّ تصرفاتهم، وتعذّر عليهم فهم الواقع والتعامل مع الحقائق، وبرز ذلك، ابتداءً، بشكل ملموس في معاملتهم مع بعضهم، ومع الحياة اليومية لشعبهم الغاضب.
إن الصهاينة وأسيادهم في الغرب، لم ييئسوا مما حصل، مع ما يجذب لهم من خسارة مادية ومعنوية، ولكن الأهمّ عندهم، أن يبقى نظام المخزن أحد ركائز نفوذهم في شمال إفريقيا.
إن نظاما كنظام المخزن المعزول شعبيا والذي تنخره أنماط من الفساد السياسي والإداري والاقتصادي، لم يعرفها تاريخ شمال إفريقيا.
نظام المخزن ساقطٌ داخليا منذ فترة طويلة، لكن المصدر الوحيد لاستمراره هو الارتباط الخارجي الذي يمده بالدعمين السياسي والمالي والأمني أيضا.
لقد سقطت أوراق مهمة من بين يدي نظام المخزن، بعد أن أشبعها مساومة وتجارة، وقد يكون وصل أو يكاد يصل إلى مرحلة يصبح فيها الاستمرار في دعمه أكثر كلفة وأبهظ ثمنا مما بإمكانه أن يقدمه من أدوار وخدمات.
مع سقوط هذه الأوراق من بين المخزن، تبقى ورقته الوحيدة التي طالما استند إليها هي الورقة الصهيونية.