الرأي

الأبيض من الأسود في‮ ‬راية داعش الكاذبة

حبيب راشدين
  • 3324
  • 23

ماذا لو لم تكن داعش سوى نسخة معدلة من قاعدة تسعينيات القرن الماضي‮ ‬التي‮ ‬سخرت لأُسقطت الاتحاد السوفييتي،‮ ‬وأن الحرب الغربية المعلنة عليها ليست سوى مناورات تدريبية بالذخيرة الحية،‮ ‬قبل نقل‮ “‬الجهاديين‮” ‬والرايات السود الكاذبة لزرع الفتنة والقتال في‮ ‬آسيا الوسطى الإسلامية لقتال الروس بالوكالة عن الغرب المفلس؟

أغرب حرب سوف‮ ‬يتناولها التاريخ ـ إن كان للتاريخ مستقبل ـ هي‮ ‬التي‮ ‬تسوق لنا اليوم على مدار الساعة ضد ما‮ ‬يسمى بالدولة الإسلامية،‮ ‬هي‮ ‬بلا ريب حرب‮ ‬غريبة من حيث طبيعة الكيان المستهدف،‮ ‬ومن جهة طبيعة ومكونات الحلف الذي‮ ‬يتشكل لمحاربتها واستئصالها‮.‬

الأحداث المتلاحقة منذ تفجيرات‮ ‬11‮ ‬سبتمبر تحت رايات كاذبة،‮ ‬علمتنا واجب التوقف في‮ ‬كل حين عند ما‮ ‬يسوقه إعلام‮ ” ‬الماينستريم‮” ‬الخاضع بالكامل لإملاءات‮ “‬العقب الحديدي‮” ‬وليس بين أيدينا من أدوات المعرفة سوى البحث عن الأسئلة الجيدة التي‮ ‬لا تطرح في‮ ‬صفحات وعلى شاشات الإعلام الغربي‮ ‬وملاحقه في‮ ‬العالم الثالث،‮ ‬أذكر منها أربعة‮.‬

السؤال الأول‭: ‬‮”‬ما هي‮ ‬القدرات العسكرية لتنظيم مثل‮ “‬داعش‮” ‬نشأ وسط محيط معادي‮ ‬بوسائل بدائية،‮ ‬حتى تحتاج معه أعظم قوة عسكرية في‮ ‬العالم،‮ ‬مثل النيتو،‮ ‬يفوق إنفاقها العسكري‮ ‬السنوي‮ ‬1000‮ ‬مليار دولار،‮ ‬إلى حشد كثير من دول المنطقة من العرب والمسلمين؟

سؤال لم نطرح مثله من قبل،‮ ‬حين لجأت نفس القوة إلى ذات الحشد لمحاربة دولة طالبان،‮ ‬التي‮ ‬كانت ميزانيتها في‮ ‬تسيير أفغانستان لا تزيد عن‮ ‬83‮ ‬مليون دولار،‮ ‬كما لم نطرحه حين دعي‮ ‬حلف من‮ ‬30‮ ‬دولة لقتال عراق منهك،‮ ‬خرج لتوه من حرب مدمرة مع إيران،‮ ‬فكيف نصدق حاجة الغرب اليوم إلى هذا الحلف الضخم،‮ ‬القادر على تدمير الكرة الأرضية أكثر من مرة،‮ ‬لمواجهة قوة بدائية مثل طالبان داعش؟‮ ‬

السؤال الثاني‭: ‬ما سر هذا التوافق العالمي‮ ‬بين قوى هي‮ ‬في‮ ‬مواجهات مفتوحة في‮ ‬ساحات أخرى،‮ ‬لتتوافق فجأة على واجب تشكيل حلف عالمي‮ ‬عابر للملل،‮ ‬والنحل،‮ ‬والمذاهب،‮ ‬والطوائف،‮ ‬يجمع على أن‮ “‬داعش‮” ‬باتت تشكل أخطر تهديد على السلم العالمي،‮ ‬حتى أن روسيا وإيران ونظام الأسد قد عرضوا خدماتهم على أرباب الحلف،‮ ‬وأبدوا استعدادهم للمشاركة في‮ ‬الحرب؟

‮”‬ما هي‮ ‬القدرات العسكرية لتنظيم صغير مثل‮ “‬داعش‮” ‬حتى تحتاج معه أعظم قوة عسكرية في‮ ‬العالم،‮  ‬يفوق إنفاقها العسكري‮ ‬السنوي‮ ‬1000‮ ‬مليار دولار،‮ ‬إلى حشد واسع من‮  ‬العرب والمسلمين؟‮”‬

السؤال الثالث‮: ‬ما الذي‮ ‬يدفع بدول الخليج‮ “‬السنية‮” ‬التي‮ ‬خاضت حربا بلا قيود ضد النظام السوري‮ ‬بواسطة داعش والنصرة وأخواتها،‮ ‬وكانت إلى وقت قريب تتهم ـ عن حق ـ شيعة العراق بظلم سنته ومحاصرة مدنهم،‮ ‬لتدخل هكذا في‮ ‬شراكة مع نفس الحكومة الطائفية في‮ ‬العراق،‮ ‬في‮ ‬تحالف معلن لقتال داعش وتعريض سنة الموصل والرمادي‮ ‬والفلوجة إلى قصف طيران النيتو،‮ ‬الذي‮ ‬رأينا ماذا فعل بمدن ليبيا؟

السؤال الرابع‭: ‬ينتقل بنا حتما إلى البحث عن العلاقة بين هذه الحرب الغريبة،‮ ‬وحرب أكبر وأخطر‮ ‬غير معلنة بين الأقوياء،‮ ‬باتت تهدد أمن العالم بحق،‮ ‬مع تعاظم جبهات المواجهة بين دول‮ “‬النيتو‮” ‬والدب الروسي،‮ ‬أخطرها ما جرى ويجري‮ ‬من مواجهات عسكرية بالوكالة في‮ ‬أوكرينيا،‮ ‬واحتمال توسعها إلى دول البلطيق،‮ ‬وإعادة تسخين جبهات مماثلة مع الصين؟

يحسن بنا أن نتوقف عند هذا القدر من الأسئلة،‮ ‬التي‮ ‬لا نملك لها بالضرورة أجوبة شافية،‮ ‬لكنها تساعدنا في‮ ‬الحد الأدنى على تحصين عقولنا وحمايتها من القصف الإعلامي‮ ‬اليومي،‮ ‬الذي‮ ‬يريد منا أن نلغي‮ ‬طواعية عقولنا،‮ ‬ونستسلم للروايات الرسمية،‮ ‬ولما تفتريه هذه النخبة المجرمة الفاشية العابثة بمصير البشرية‮.‬

فالسؤال الأول‮ ‬يمنعنا بالضرورة من ابتلاع أسطورة داعش‮: “‬الغول الفاشي‮ ‬قاطع الرؤوس‮” ‬الذي‮ ‬يحتاج استئصاله إلى تحالف دول‮ “‬النيتو‮” ‬تعداد جيوشها‮ ‬يقدر بـ‮ ‬3120000‮ ‬مقاتل،‮ ‬لقتال جماعة مسلحة،‮ ‬قالت الـ‮ “‬سي‮ ‬آي‮ ‬إي‮” ‬أن تعداد مقاتليها قد انتقل بقدرة قادر من أقل من‮ ‬5000‭ ‬مقاتل عشية احتلالها للموصل،‮ ‬إلى أكثر من‮ ‬30000‮ ‬مقاتل،‮ ‬وحتى مع تصديق هذا التقدير،‮  ‬فإننا أمام مواجهة فاضحة بنسبة‮ ‬100‮ ‬مقاتل من جنود الحلف،‮ ‬مقابل واحد من أجناد‮ “‬الخليفة‮”‬،‮ ‬الذي‮ ‬يكون عليه أن‮ ‬يراجع النسبة الشرعية الواردة في‮ ‬الآيتين‮ ‬65‮ ‬و66‮ ‬من سورة الأنفال‮. ‬

فالحلف كما نرى لم‮ ‬يشكل لقتال هذه العصابة الصغيرة،‮ ‬وإلا فأين هي‮ ‬أصلا مظاهر هذه الحرب الكاذبة،‮ ‬وقد أعلنت منذ أكثر من شهر،‮ ‬لم نر منها سوى صور قليلة لقصف عربة هنا وأخرى هنالك،‮ ‬فيما ترك لداعش الحبل على الغارب لتوسيع دائرة الفوضى،‮ ‬وترهيب أهل العراق وسورية من العرب السنة والأكراد والمسيحيين،‮ ‬وكأننا بصدد مناورات تدريبية عسكرية،‮ ‬يدرب فيها مقاتلو داعش بالذخيرة الحية،‮ ‬استعدادا لحرب أخرى،‮ ‬سوف تنقل إلى ساحة أخرى‮ ‬غير الساحة العراقية،‮ ‬وهو ما أدركه السوريون والروس،‮ ‬فقد تكون هذه الحرب الغريبة على داعش محض‮ ‬غطاء لمواجهة قادمة واسعة في‮ ‬سورية،‮ ‬أو أن القوات التي‮ ‬يتم تدريبها على احتلال المدن وإدارتها،‮ ‬إنما تحضر لتنقل إلى آسيا الوسطى والقوقاز على أطراف حدود روسيا والصين،‮ ‬وهو أكثر السيناريوهات توافقا مع طبيعة المواجهة التي‮ ‬بدأت بين الغرب والقطبين الروسي‮ ‬والصيني،‮ ‬في‮ ‬محاولة لتجديد تجربة الحرب الناجحة ضد الاتحاد السوفييتي‮ ‬في‮ ‬أفغانستان بدماء ولحم المقاتلين العرب‮.‬

ولعل هذا ما‮ ‬يفسر ما أبداه الروس من استعداد للمشاركة في‮ ‬الحرب على داعش،‮ ‬كما قد‮ ‬يفسر رفض الأمريكيين لفكرة مشاركة الروس والإيرانيين والسوريين في‮ ‬الحلف والحرب،‮ ‬لأن الغرض لم‮ ‬يكن القضاء على داعش،‮ ‬بل التمكين لها من استقطاب مزيد من الشباب المسلم التائه،‮ ‬واستكمال تدريبه في‮ ‬هذه المناورات الميدانية،‮ ‬قبل الزج به كوقود لحرب قادمة في‮ ‬بؤر الجمهوريات الإسلامية وسط آسيا،‮ ‬كما‮ ‬يجيب على السؤال الثالث المتعلق بشراكة الدول‮ “‬السنية‮” ‬الخليجية في‮ ‬الحلف،‮ ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬مولت من قبل عملية مماثلة في‮ ‬أفغانستان بالمال والبنين‮.‬

‭ ‬ليس عندي‮ ‬شك أن تنظيم دولة داعش سوف‮ “‬يُمكن‮”  ‬في‮ ‬الشهور القادمة من تحقيق مزيد من الانتصارات،‮ ‬والتوسع داخل سورية والعراق،‮ ‬وربما قد‮ ‬يسمح له حتى بالاقتراب من بعض المناطق في‮ ‬الأردن وشمال السعودية،‮ ‬وسوف نشهد في‮ ‬الشهور القادمة تشكل كثير من الجماعات‮ “‬الجهادية‮” ‬في‮ ‬دول آسيا الوسطى،‮ ‬لتعلن ولاءها لخليفة داعش كما فعلت بعض ملاحق القاعدة في‮ ‬المغرب الإسلامي،‮ ‬لتكون الدولة الإسلامية هي‮ ‬الممول الأول بالمقاتلين المدربين لعملية قادمة تنقل‮ “‬الجهاد‮” ‬إلى تخوم روسيا كما جاء في‮ ‬فيديو لداعش بثته قناة العربية،‮ ‬يهدد بنقل الحرب إلى القوقاز والشيشان‮.‬

‮”‬الساحر الحذق هو الذي‮ ‬لا‮ ‬يترك لك الفرصة للتدقيق في‮ ‬حركاته السريعة المخادعة،‮ ‬ونحن منذ تدبير أحداث‮ ‬11‮ ‬سبتمبر تحت راية إسلامية كاذبة بحضرة سحرة ولا سحرة فرعون‮”  ‬

مع تفحص الصورة الأكبر للمواجهة الحقيقية،‮ ‬التي‮ ‬تتجاوز العرب والمسلمين وفتنهم المحلية،‮ ‬يكون بوسعنا تتبع وقائع هذه الحرب الغريبة المعلنة ضد تنظيم،‮ ‬لم‮ ‬يكن قادرا حتى على مواجهة جيش منهك مثل الجيش السوري،‮ ‬وكان‮ ‬يراوح في‮ ‬مكانه أمام جيش عراقي‮ ‬كثير العدد قليل الخبرة عديم الفاعلية،‮ ‬بل كانت مجاميع القاعدة التي‮ ‬تشكل منها،‮ ‬قد هزمت على أيدي‮ ‬صحوات عشائر الأنبار،‮ ‬قبل أن‮ ‬يسلم لها على طبق من ذهب ثاني‮ ‬أكبر مدن العراق،‮ ‬وينظم لصالحها انسحاب أكثر من‮ ‬25‮ ‬ألف جندي‮ ‬وشرطي‮ ‬عراقي‮ ‬انهزموا أمام‮ ‬500‮ ‬مقاتل من داعش،‮ ‬ويُمكن لهم في‮ “‬غزوة‮” ‬واحدة من‮ ‬غنيمة هائلة من الأسلحة،‮ ‬ومن قرابة ثلاثة ملايير دولار كانت مودعة ببنوك الموصل‮.‬

أغرب حدث وقع هذا الأسبوع،‮ ‬ومر عليه الإعلام العالمي‮ ‬مرور الكرام‮ ‬،‮ ‬سوف‮ ‬يساعدنا على كشف جانب من اللعبة،‮ ‬ويعري‮ ‬العلاقة الحميمة بين دولة الخليفة البغدادي‮ ‬وسيده أوباما‮. ‬فقد احتار كثير من المحللين أمام تردد تركية الأردوغانية في‮ ‬الالتحاق بالحلف،‮ ‬وكانت حجتها أنها لن تجازف بحياة‮ ‬43‮ ‬من أعضاء قنصليتها المحتجزين في‮ ‬الموصل لدى داعش،‮. ‬وحيث أن السيد أوغلو ادعى أن تركية لم تدفع فدية،‮ ‬ولم نسمع عن عملية خارقة تكون قد نفذتها القوات التركية الخاصة في‮ ‬الموصل،‮ ‬فلم‮ ‬يبق سوى افتراض واحد،‮ ‬وهو أن الجهة التي‮ ‬كانت بحاجة إلى التحاق تركية بالحلف هي‮ ‬التي‮ ‬أقنعت‮ “‬الخليفة‮” ‬بتسريح الرهائن الأتراك،‮ ‬كما أقنعته من قبل بصرف النظر عن الاقتراب من أربيل،‮ ‬وبوقف الزحف نحو بغداد‮.‬

قد أكون مخطئا في‮ ‬استشراف بعض الأجوبة،‮ ‬وليس لأحد ـ في‮ ‬هذا العالم الذي‮ ‬تحول فيه الإعلام إلى أداة للتعتيم والتضليل ـ أن‮ ‬يدعي‮ ‬معرفة الحقيقة،‮ ‬لكن حتما‮ ‬يحق لنا أن نخضع ما‮ ‬يفد علينا من أخبار وأحداث إلى التدقيق،‮ ‬بطرح الأسئلة التي‮ ‬يرفض الإعلام المهين أن تطرح،‮ ‬كما منعنا من قبل من طرح الأسئلة البديهية حول مقدار حظوظ‮ ‬19‮ ‬شابا عربيا في‮ ‬تنفيذ عملية معقدة مثل عملية‮ ‬11‮ ‬سبتمبر،‮ ‬وصدقنا الفيلم الهوليودي‮ ‬حول مقتل بن لادن بعد مرور‮ ‬10‮ ‬سنوات عن وفاته الطبيعية،‮ ‬ولم‮ ‬يعد أحد‮ ‬يسأل عن مصير الطائرة المليزية التي‮ ‬اختفت دون أثر،‮ ‬وسوف نصدق التقرير الفرنسي‮ ‬الأخير الذي‮ ‬ادعى أنه لا سبيل إلى معرفة سبب سقوط طائرة الخطوط الجوية الجزائرية فوق مالي،‮ ‬أو نصدق مرة أخرى أن إفريقيا مهددة بجائحة وباء إيبولا الذي‮ ‬ظهر منذ‮ ‬38‮ ‬سنة،‮ ‬وقتل في‮ ‬ذروته آنذاك‮ (‬سنة‮ ‬1976‮) ‬أقل من‮ ‬300‮ ‬شخص،‮ ‬قبل أن‮ ‬يغلق الملف ثم‮ ‬يعاد فتحه الآن،‮ ‬ويتخذ ذريعة لإنزال قرابة‮ ‬4000‮ ‬جندي‮ ‬أمريكي‮ ‬بالقارة السمراء‮.‬

ولأننا مقبلون في‮ ‬السنوات الثمانية القادمة‮ (‬حتى سنة‮ ‬2022‮) ‬على أحداث دولية خطيرة متدافعة،‮ ‬على خلفية أزمة اقتصادية ومالية عالمية ليس لها حلول سوى بإشعال الحروب والفتن،‮ ‬فإن سلاحنا الوحيد المتاح،‮ ‬هو في‮ ‬إخضاع ما نقصف به‮ ‬يوميا من أخبار،‮ ‬وأحداث،‮ ‬ومواقف،‮ ‬إلى التمحيص والتدقيق بطرح الأسئلة الوجيهة،‮ ‬التي‮ ‬لا‮ ‬يراد لنا أن نطرحها،‮ ‬ذلك أن الساحر الحذق هو الذي‮ ‬لا‮ ‬يترك لك الفرصة للتدقيق في‮ ‬حركاته السريعة المخادعة،‮ ‬ونحن منذ تدبير أحداث‮ ‬11‮ ‬سبتمبر تحت راية كاذبة بحضرة سحرة ولا سحرة فرعون‮.  ‬‬

مقالات ذات صلة