-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الأحكام السلطانية لاختيار رئيس جمهورية

حبيب راشدين
  • 3781
  • 0
الأحكام السلطانية لاختيار رئيس جمهورية

هل يخرج الساسة من أرحام أمهاتهم علماء خبراء، حاملين لإجازات علمية تعلو على ما تمنحه جامعات العالم من إجازات، أم يكونون قد علّموا مثل آدم الأسماء كلها، وليس لنا إلا أن نشهد لهم شهادة الزور بالأهلية!!؟

معظم الوظائف في المجتمعات العصرية قد حصنتها القوانين بشروط دقيقة للتوظيف، تضيف إلى المستوى التعليمي قدرا من الخبرة، ويخضع المرشحون لها إلى اختبارات كتابية وشفهية، تستكمل التمحيص قبل تسليم الوظيفة للمختارين.

غير أني لا أعرف مجتمعا في الشمال أو في الجنوب قد اشترط لمهن ووظائف السياسية المؤهلة لقيادة العباد، واتخاذ قرارات مصيرية في حياة الشعوب، ما سنه من شروط لتولي وظائف ومهن، قد لا تزيد المسؤولية فيها عن قيادة آلة، أو إدارة مصلحة بيروقراطية.

الأخطر من استباحة مناصب المسؤولية في المجالس المنتخبة المحلية والوطنية، استباحة ساحة التوظيف لأعلى منصب قيادي في البلاد، والترخيص فيه لكل من هب ودب، فلا يشترط على المرشح لمنصب الرئاسة سوى جمع خمسة وعشرين ألف شهادة زور، تزكيه للدخول في المنافسة، حتى بتنا عشية الاستحقاق الرئاسي أمام أكثر من أربعين مرشح، والقائمة مفتوحة للمزيد قبل إغلاق قائمة الترشح.

قبل زمننا بآلاف السنين، نازع بنوا إسرائيل نبيا لهم حين قال لهم: “..إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا . قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ”، فثبت أن العلم وسلامة الجسم هما من أهم شروط الولاية الكبرى.

وقد اجتهد علماء الأمة في هذا الشأن، فنشأ إجماع بينهم على سبعة شروط واجبة في من يتولى هذا المنصب الرفيع، أوجزها كتاب الأحكام السلطانية: أَحَدُهَا: الْعَدَالَةُ عَلَى شُرُوطِهَا الْجَامِعَةِ. وَالثَّانِي: الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إلَى الِاجْتِهَادِ فِي النَّوَازِلِ وَالْأَحْكَامِ، وَالثَّالِثُ: سَلامَةُ الْحَوَاسِّ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ، وَالرَّابِعُ: سَلامَةُ الْأَعْضَاءِ مِنْ نَقْصٍ يَمْنَعُ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحَرَكَةِ وَسُرْعَةِ النُّهُوضِ، وَالْخَامِسُ: الرَّأْيُ الْمُفْضِي إلَى سِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ وَتَدْبِيرِ الْمَصَالِحِ، وَالسَّادِسُ: الشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ الْمُؤَدِّيَةُ إلَى حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَجِهَادِ الْعَدُوِّ، وَالسَّابِعُ: النَّسَبُ، وقد ختم  صاحب الأحكام السلطانية الشهير بالماوردي على أنه “ليس مَعَ هَذَا النَّصِّ الْمُسَلَّمِ شُبْهَةٌ لِمُنَازِعٍ فِيهِ، وَلَا قَوْلٌ لِمُخَالِفٍ لَهُ” ونحن على أبواب اختيار خليفة للرئيس، ما كان ينبغي لنا أن نتوقف عند حالته الصحية المانعة للعهدة الرابعة، وفق الشرط الرابع عند الماوردي، لنترك التدقيق في توفر الشروط الستة الباقية عند منافسيه، وأخطرها قبل وبعد سلامة الحواس، العلم والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، وقد ينسى بعضنا أن كل ناخب يشترك في الاختيار من غير علم، إنما سوف يسأل غدا كما يسأل شاهد الزور.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!