الرأي

الأخسّ

كثير من الأوربيين يحتكرون – في أدبياتهم – كل ما هو جميل من القول، وكل ما هو مليح من الفعل، ويظنون – غرورا- أنه لم يُخلق مثلهم في أرض الله، وأنهم مُبرّأون من كل عيب ونقيصة، ويرمون غيرهم من الشعوب والأمم بكل ما تصوره لهم أهواؤهم من رذائل أظهر ما يظهر هذا الغرور والصّلف في أكثر الفرنسيين، وقد ابتلانا الله – نحن الجزائريين – فعشنا سنين عددا مع الفرنسيين فبلوناهم ظاهرا وباطنا فما وجد لأكثرهم ذمة، وما عرفنا في أغلبهم همة…

من هؤلاء الفرنسيين شخص يَعدّ نفسه من “الأخيار”، وقد يراه قومه كذلك ويعتبرونه “مثلا أعلى”، وهو في الحقيقة من أسفه السفهاء، وأرذل الأراذل لما ستعلمونه بعد قليل، هذا الفرنسي هو”قي دو موبّسان”.

قام هذا “الكائن” بزيارة إلى الجزائر في نهاية الثمانينات من القرن التاسع عشر، وتجول في بعض مناطقها، وسجّل رحلته تلك في كتاب سماه “رحلة إلى بلاد الجزائر” التي وصفها بأنها “بلاد الشمس”، ولم يأت في هذا الوصف بشيء جديد أو أمر طريف…

كان على هذا الـ “قي” أن يسجل ما رآه في رحلته بكل موضوعية، فيذكر كل ما شاهد من “قبيح”، ويذكر كل ما رأى من مليح، فالجزائريون شعب من الشعوب التي خلقها الله، فيهم الأصيل وفيهم الرذيل، وفيهم النفيس وفيهم الخسيس…ولكن هذا الـ “قي” السفيه، المريض بعقدة ما يسمى “المركزية الأوربية”، التي ترى أن أوربا هي “مركز” العالم، وأن كل ما يقوله الأوربي أو يفعله هو”الحق” وهو “الخير”، وأن كل ما يقول غير الأوربي أو يفعله هو”سيء” و”شر”..

قرأت هذه الرحلة، وتوقعت أن أجد فيها سفاهة هنا وهناك…ولكن خيالي “الواسع” لم يصل إلى قعر هذا التسفل الذي تردّى إليه هذا الـ “قي”.

أي تسفّل أسفل، وأية سفاهة أسفه من قول هذا الـ “قي”: “من يقول عربي يقول لص دون استثناء”. (ص 65 – 66 من الترجمة العربية).

لا نقول إن الجزائريين “ملائكة” يمشون في الأرض، لا يعصون الله ما أمرهم”، ولا نقول إنهم “شياطين” يفسدون في الأرض ولا يُصلحون ولا يَصلحون، بل هم بشر ممن خلق الله، وليسوا سواء لا في الخير ولا في الشر..بل فيهم الأبرار والفجار، وفيهم الأخيار والأشرار لقد أدّبنا القرآن الكريم، وأعلمنا، وعلّمنا أن “من أهل الكتاب مَن إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك إلا مادمت عليه قائما، وأخبرنا أن “من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون”. ومن في اللغة العربية للتبعيض..وما من ريب عندي في أن هذا الـ “قي” ليس من المؤمنين من أهل الكتاب وليس من قوم موسى العادلين.

مقالات ذات صلة