الرأي

الأخلاق والأمم

نور الدين بوكروح
  • 5574
  • 0

تَرَكَ‮ ‬الشاعر المصري‮ ‬الكبير أحمد شوقي‮ ‬بيتاً‮ ‬صار منقوشًا في‮ ‬الذاكرة العربية وحفظتهُ‮ ‬أجيال منّا في‮ ‬المدرسة‮: “‬إنَّمَا الأُمَمُ‮ ‬الأَخلاقُ‮ ‬ما بَقيَت‮ ‬فَإن هُمُ‮ ‬ذَهبَت أخلاقهم ذهبوا‮”. ‬كلامٌ‮ ‬جميلٌ‮ ‬جدّا لكنه كباقي‮ ‬الشعر عُموما‮ ‬يتوجه إلى العواطف أكثر منه إلى العقل‮. ‬فعندما نقارن هذا البيت بالواقع التاريخي‮ ‬نجد أنه،‮ ‬وإن حافظ على قوته العاطفية،‮ ‬فإنه ضيّع الكثير من حقيقته الفعلية‮. ‬هكذا تسير الأمور عادة مع الثقافة العربية الإسلامية،‮ ‬فهي‮ ‬تَستَند قبل كلّ‮ ‬شيء على العواطف والمشاعر والسذاجة،‮ ‬وتَهدفُ‮ ‬إلى سحر القلوب قبل إقناع العقول،‮ ‬ما‮ ‬يجعل أحكامها ومُثُلَهَا سُرعانَ‮ ‬ما تغرقُ‮ ‬في‮ ‬مستنقع الواقع‮. ‬ومن ثَمَّ‮ ‬عندما ننظر من هذه الزاوية إلى بيت أمير الشعراء،‮ ‬فإنَّنَا نُدركُ‮ ‬أنه ليس نظريةً‮ ‬مُستَندةً‮ ‬إلى الواقع كما اعتقَدَت ذلك أجيالٌ‮ ‬كاملة،‮ ‬بل مُجرَّد بيت شعري‮ ‬جميل‮.‬

اختيار الكلمات في‮ ‬الشعر لا‮ ‬يعير اهتماما كبيرا إلى معناها الدقيق،‮ ‬بقدر ما‮ ‬يوليه للقافية والسجع والتناسق بينها لغرض تحقيق جمال القصيدة ونجاحها‮.. ‬بل‮ ‬يمكن للشاعر حتى استعمال الكلمات عكس معناها الحرفي‮ ‬لهذا الغرض،‮ ‬وهذا شيء طبيعي‮ ‬لأن الغاية من الشعر ليست بناء مفهوم أو نظرية ما وإنما مجرد كلام جميل‮. ‬إن لَم نَعرف ما قصده شوقي‮ ‬للأخلاق من تعريف دقيق،‮ ‬فإننا نعرف بالمقابل أن معناها‮ ‬يقتصر في‮ ‬الثقافة العربية الإسلامية على القيم ذات الطابع الديني‮. ‬يمكن إذا أن نحاول انطلاقا من هذه النقطة جرد ما‮ ‬ينقص المسلمين في‮ ‬هذا السياق،‮ ‬لنَفهَم لمَ‮ ‬تَعجزُ‮ ‬قيَمُهُم عن تحقيق انطلاقة جديدة رغم أنها مكنتهم في‮ ‬السابق من التربع على عرش الحضارات‮. ‬

لقد عبثت الأمم الغربية بأخلاقها وقَلَبَتها رأسا على عقب،‮ ‬حتى وصل بها الأمر إلى ترسيم الزواج المثلي‮ ‬والتَّفكك التام للعائلة،‮ ‬لكنها رغم ذلك لم‮ “‬تذهب‮”‬،‮ ‬بل بقيت حاضرة أكثر من أي‮ ‬وقت مضى،‮ ‬وفي‮ ‬أحسن حال من الذي‮ ‬كانت عليه في‮ ‬عهد توركيمادا‮ ‬Torquemada‮  ‬أو سافونارولا‮ ‬Savonarole‮ . ‬ومع أن أخلاقها انحَلَّت وطابوهاتها انكسرت لكن الأمم لم تنهر،‮ ‬عكس ما هدَّد به بَيتُ‮ ‬أمير الشعراء الذي‮ ‬حسبناه صالحا لكل أُمَّة في‮ ‬كل زمان‮. ‬وعلى عكس ذلك تماما،‮ ‬نجد مثالَ‮ ‬جماعة طالبان عندما استحوذت على السلطة في‮ ‬أفغانستان،‮ ‬حيث لم تَنشَغل خلال حُكمها بشيء‮ ‬غير‮ “‬الأخلاق‮” ‬لكن أُمَّتَها مع ذلك‮ “‬ذَهبت‮” ‬تَماما‮. ‬هل‮ ‬يوجد منا من‮ ‬يعتقد أن طالبان سَوف تَرفَعُ‮ ‬أمّتها عاليا في‮ ‬سماء التطور لو عادت إلى السلطة في‮ ‬المستقبل؟ وماذا عن‮ “‬داعش‮” ‬التي‮ ‬هدمت ولا تَزالُ‮ ‬تهدم مَعَالمَ‮ ‬أَثريّةً‮ ‬تعود إلى مهد الإنسانية لأنّها لم تَرَ‮ ‬فيها سوى أصنام وثنية‮.‬

الخلاصة التي‮ ‬يمكن أن نتوصل إليها من هذه المقدمة هي‮ ‬أن اختصار‮ “‬الأخلاق‮” ‬في‮ ‬القيم والشعائر الدينية‮ ‬يجعلها لا تضمن لأمَّة ما مكانةً‮ ‬في‮ ‬التاريخ،‮ ‬اللهم إلا إذا اكتفت هذه الأمة بالحياة كما كانت في‮ ‬وقت سيدنا إبراهيم عليه السلام،‮ ‬أو أرادت أن تعيش كما‮ ‬يعيش رهبان التبت في‮ ‬قمم الهيملايا،‮ ‬أو أن تذهب إلى حكم‮ “‬بوكو حرام‮”.‬

رأينا كيفَ‮ ‬يُمكنُ‮ ‬لأُمَّة أَن‮ “‬تبقى‮” ‬مع أن أخلاقها‮ “‬ذهبت‮”‬،‮ ‬ورأينا أيضا الأمة التي‮ ‬ذهبت رغم أنها استَثمَرَت كلَّ‮ ‬شيء في‮ ‬أخلاقها،‮ ‬لكن هناك أيضا حالة ثالثة تَبقى فيها القيم الأخلاقية‮ (‬بالمعنى الديني‮) ‬وتَستَمرّ‮ ‬دون أن تحتاج إلى التجسد على شكل أمة،‮ ‬وهو ما‮ ‬ينطبق على اليهود‮. ‬فاليهود عاشوا تائهين بين حضارات التاريخ والعالم،‮ ‬مُشَتَّتينَ‮ ‬بين الأمم مثلما تَتَداوَلهُ‮ ‬أسطورة‮ “‬اليهودي‮ ‬الهائم‮” ‬le Juif errant‮. ‬حتما لم‮ ‬يريدوا ذلك،‮ ‬لكن هذا كانَ‮ ‬قَدَرَهُم ربما بسبب لعنة سُلّطَت عليهم لما عُرفوا به من قتل الأنبياء‮. ‬وحتى‮ ‬يومنا هذا،‮ ‬هنالك أقلية منهم فقط تعيش في‮ ‬إسرائيل‮ (‬5‮ ‬ملايين‮) ‬بينما‮ ‬يتوزع نحو عشرين مليونا آخرين على مختلف أصقاع الأرض‮. ‬إنها الحضارة الأقل تعدادا في‮ ‬التاريخ لكنها أيضا الأقوى،‮ ‬التي‮ ‬تضم أكبر عدد من المشاهير في‮ ‬كل المجالات،‮ ‬وهي‮ ‬الأكثر تأثيرا في‮ ‬سياسات الدول التي‮ ‬يعيش فيها أبناؤها رغم قلَّتهم؛ وكذلك التي‮ ‬حاز أبناؤها أكبر عدد من جوائز نوبل‮ ‬Nobel‮. ‬يمكن أن نُسُجّلَ‮ ‬هنا نقطةً‮ ‬في‮ ‬رصيد بيت أحمد شوقي،‮ ‬بَيدَ‮ ‬أَنَّ‮ ‬اليهود لما أرادوا أن‮ ‬يأخذوا شكل أمة فقد فعلوا ذلك انطلاقا من قيم دينهم‮.‬

لكن،‮ ‬ما هي‮ ‬هذه القيم؟ البكاء أمام حائط؟ السبت المقدس؟ القفطان الأسود واللحية؟ ربما لكن ليس هذا فَحَسب‮. ‬فقد تمكن اليهود من البقاء عبر التاريخ بفضل قدرتهم الفائقة على التأقلم مع جميع المناخات والأجناس،‮ ‬ومع كل أشكال المجتمعات والأنظمة السياسة والأحداث،‮ ‬من حروب وثورات ومذابح‮. ‬لقد خرجوا دائما وفي‮ ‬كل مرة في‮ ‬الصف الأول وفي‮ ‬طليعة السباق،‮ ‬من جميع الاضطرابات والتغيرات التي‮ ‬شابت مسيرة التاريخ‮. ‬بقاؤهم على قيد الحياة عبر الأزمنة والمحن لا‮ ‬يرجع إلى التمسك بقيم دينهم فقط،‮ ‬بل أيضا وخاصة إلى الذكاء والقيم الفكرية والتضامن والفعالية وحب العمل وإتقانه والتفتح الفكري‮ ‬والقدرة على الإبداع‮… ‬فكل‮ ‬يهودي‮ ‬من السفارديم أو من الإشكناز،‮ ‬يحمل‮  ‬في‮ ‬ذاته وأَينَما وُجدَ‮ ‬هذه القيم العقلانية والروح الكادحة،‮ ‬وثقافة الفعالية،‮ ‬والقيم الاجتماعية الفكرية العصرية‮. ‬هذا ما دَفَعَهُم،‮ ‬عندما أسسوا دولتهم فوق أرض الفلسطينيين في‮ ‬1948،‮ ‬ألّا‮ ‬يَجعَلوا منها دولةً‮ ‬دينيةً‮ ‬تَضرُّعًا لربّهم،‮ ‬بل نظاما ديمقراطيا‮.‬

‭‬عندما ننظر إلى هذا الطاقم من القيم تتضح أمامنا الرؤيا الأولى عمّا‮ ‬ينقص المسلمين،‮ ‬كُلّ‮ ‬ما لا تَتَضَمَّنُهُ‮ ‬لائحة أخلاقهم وما لا‮ ‬يَتَحَدَّثُ‮ ‬بشأنه علماء الدين‮: ‬الوعي‮ ‬التاريخي،‮ ‬الروح الجماعية،‮ ‬الفعالية الاقتصادية والاجتماعية،‮ ‬الانفتاح الفكري،‮ ‬القدرة على الإبداع،‮ ‬تجاوز الآفاق المعروفة،‮ ‬الميل إلى ما هو أفضل،‮ ‬النظام السياسي‮ ‬الديمقراطي‮…‬

فَعُلَمَاءُ‮ ‬المسلمين فعلًا لا‮ ‬يُعطونَ‮ ‬قيمةً‮ ‬إلا لما هو ديني‮ ‬محض،‮ ‬أو ما أُشيرَ‮ ‬إليه صراحة في‮ ‬آية أو حديث‮. ‬كل ما‮ ‬يخرج عن ذلك،‮ ‬كلُّ‮ ‬ما لَم‮ ‬يَنتُج مباشرة عن تلك المصادر‮ ‬يُرفض ويُقصى لكونه خارجا عن التعاليم الإسلامية،‮ ‬بينما‮ ‬يجب ألا تقتصر أخلاقُ‮ ‬أُمّة أو حضارة ما على قيم دينها فقط،‮ ‬فهي‮ ‬إن لَم تضف إلى رأس مالها الأوَّلي‮ (‬الدين‮) ‬ما جاءَ‮ ‬به تطور البشرية من مساهمات تاريخية وأدوات فكرية وعَمَليَّة وعلوم بشتى أنواعها وأشكال تنظيم عصرية،‮ ‬فإنها تحكم على نفسها بالفراغ‮ ‬والهزال اللَّذَين سَيَنجُمُ‮ ‬عنهما الهلاك والزوال لا محالة‮. ‬

فالقيَمُ‮ ‬الأخلاقية سبقت القيَمَ‮ ‬الدّينية في‮ ‬الوجود،‮ ‬كما توجد كذلك حتى في‮ ‬الأمم التي‮ ‬لا دين لها،‮ ‬إذ لم توجد عبرَ‮ ‬التاريخ مجموعةٌ‮ ‬بشرية،‮ ‬سواء كانت مجتمعا أم قبيلة أم عصبة أم عشيرة،‮ ‬إلا وحملت مجموعة قيم معنوية وأخلاق تُلهمُ‮ ‬وتُوَجّهُ‮ ‬أفرادها،‮ ‬حتى ولو لم تأتها من السماء‮. ‬هذه الأخلاق،‮ ‬شفوية كانت أم مكتوبة،‮ ‬تحمل في‮ ‬طيها المبادئ التي‮ ‬تتبعها تلك المجموعة للتمييز بين الخير والشر،‮ ‬والإيثار والأنانية،‮ ‬والسخاء والبخل،‮ ‬والغفران والانتقام،‮ ‬والتواضع والتكبر،‮ ‬والفضائل والرذائل،‮ ‬والإفراط والزهد،‮ ‬والشجاعة والجبن،‮ ‬والنظافة والوسخ،‮ ‬والحرية والاضطهاد‮…‬

وإن لَم تُبد المجتمعات التقليدية الحاجة إلى الارتقاء إلى أنظمة متطورة للحفاظ على نفسها،‮ ‬فهذا راجع إلى أنَّ‮ ‬الزمانَ‮ ‬والمحيطَ‮ ‬اللَّذين عاشت فيهما،‮ ‬ومستوى التطور الفكري‮ ‬الذي‮ ‬وصلت إليه،‮ ‬لم تسمح أو لم تتطلب منها ذلك‮. ‬فالفضائلُ‮ ‬العَامَّة كانت تكفي‮ ‬للحفاظ على توازنات ومتطلبات حياتها‮. ‬قانون حمورابي‮ ‬Hammourabi‮  ‬وضع أسس الحضارة البابلية؛ وقانون سولون‮ ‬Solon‮  ‬نظم الحضارة الأثينية حتى أنجبت سقراط‮  ‬Socrate‭ ‬وأفلاطون‮  ‬Platon‮ ‬وأرسطو‮ ‬Aristote؛ وكونفوسيوس‮ ‬Confucius‮  ‬علَّم الصينيين احترام السلف والقوانين كأساس لتناسق أمتهم؛ والحضارة الرومانية التي‮ ‬دامت سبعة قرون‮ (‬أي‮ ‬بقدر ما دامت الحضارة الإسلامية قبل انحطاطها‮) ‬بُنيَت على روح روما‮… ‬لكن وضع الأساس لا‮ ‬يكفي‮ ‬للبقاء طيلة عُمر الأُمَم الطويل،‮ ‬بل‮ ‬يجب بعد ذلك بناء الصَّرح الذي‮ ‬يعلو الأساس،‮ ‬ثم بعد ذلك إحاطته بالعناية والصيانة اللازمتين‮. ‬فيصبح حينئذ من الضروري‮ ‬إدخال روابط جديدة وتقنيات تَشييد متطورة،‮ ‬ومراجعة دائمة لصلاحية مواد البناء،‮ ‬ومراقبة مطابقة البناء لمعايير الوقاية من الزلازل‮… ‬

بعدما عاش العالم طيلة ألفيات في‮ ‬ظل القوانين الدينية وحدها،‮ ‬راهن ابتداء من القرن الثامن عشر،‮ ‬وبالذات منذ الثورة الأمريكية،‮ ‬على الحرية في‮ ‬كل المجالات للوصول إلى السعادة والإبداع والعدل والتطور والنمو والديمقراطية‮. ‬فخاض بذلك مغامرة الحرية في‮ ‬الدين‮ (‬حرية المعتقد‮)‬،‮ ‬والفلسفة‮ (‬حرية التعبير‮)‬،‮ ‬والاقتصاد‮ (‬الليبرالية‮)‬،‮ ‬والسياسة‮ (‬التعددية‮)‬،‮ ‬والاجتماع‮ (‬التَّنَوُع‮) ‬والصحافة‮… ‬إلخ‮. ‬

وقام لضَمان نجاح هذا الرهان بتطوير قيم أخلاقية جديدة مكملة للقيم التقليدية والدينية،‮ ‬بحيثُ‮ ‬يُمكن،‮ ‬إذا ما وصلت هذه الأخيرة إلى مرحلة الأزمة أو التعطل،‮ ‬للجديدة أَن تُبقي‮ ‬عليها مُتَّصلةً‮ ‬بقاطرة التطور وأن تُساعدها في‮ ‬الحفاظ على الحيوية اللازمة لبقائها‮.

‬يُمكنُ‮ ‬أن نضع قائمةً‮ ‬لهذه الأخلاق الجديدة‮: ‬القيم الإنسانية،‮ ‬الوطنية،‮ ‬الاجتماعية،‮ ‬المدنية،‮ ‬الديمقراطية،‮ ‬الاحترافية،‮ ‬العالمية‮… ‬إلخ‮. ‬

فأمم الغرب لم‮ “‬تذهب‮” ‬إذا بفضل التكامل الذي‮ ‬حصل بين قيمها التقليدية،‮ ‬والجديدة التي‮ ‬يمكن التفصيل فيها أكثر‮: ‬احترام الحياة البشرية،‮ ‬السماح بتعدد المعتقدات،‮ ‬حرية الفكر والتفكير والإبداع،‮ ‬الضمان الاجتماعي،‮ ‬الضرائب،‮ ‬العدالة المستقلة،‮ ‬حقوق الإنسان والمرأة والطفل والحيوان والبيئة‮… ‬ونجاحُ‮ ‬الغرب إذا‮ ‬يرجع إلى كونه تمكّن من المساواة بين الرفاه الأخلاقي‮ ‬والرفاه الاقتصادي،‮ ‬وبين الآداب والبراعة‮. ‬فأصبح مواطنوه بذلك مزدهرين محفزين سعداء منظمين منضبطين،‮ ‬تحركهم الروح الوطنية واحترام الآخر‮.‬

إذا أَرَدنا أو احتَجنا إلى‮ ‬غطاء إسلامي‮ ‬للقبول بهذا المنطق فَلَن نَجدَ‮ ‬أحسنَ‮ ‬ممّا وَرَدَ‮ ‬عن ابن تيمية في‮ ‬الموضوع حيث‮ ‬يقول‮: “‬حاكم كافر عادل خير عند الله من حاكم مسلم ظالم‮”. ‬وإذا أردنا التوسع في‮ ‬المعنى الذي‮ ‬قَصَدهُ‮ ‬شيخ الإسلام بكلمة‮ “‬عادل‮”‬،‮ ‬فَيُمكنُ‮ ‬أَن نُحيلَ‮ ‬الكلمةَ‮ ‬إلى عَالم آخر‮ ‬يمكن وصفه بالمُحايد،‮ ‬وأقصد بذلك أنه سَبَقَ‮ ‬عَصرَ‮ ‬الجدال الذي‮ ‬بدأ منذ قرابة القرن بين الإسلام والحداثة‮.‬

ففي‮ ‬بداية القرن التاسع عشر،‮ ‬قام الأبُ‮ ‬الروحي‮ ‬لمصر الحديثة،‮ ‬محمد علي،‮ ‬بإرسال مجموعة من ثلاثين طالبا مصريا في‮ ‬سفر تكويني‮ ‬إلى فرنسا،‮ ‬يُؤَطّرُهُم إمام من الأزهر هو الشيخ رفعت طهطاوي‮. ‬وأَقام الوفد في‮ ‬فرنسا لخمس سنوات من‮ ‬1826‮ ‬إلى‮ ‬1831،‮ ‬تَعَلَّمَ‮ ‬خلالها الشيخ الفرنسية وانكبَّ‮ ‬على دراسة أخلاق هذه الأمة الغربية‮. ‬ثُمَّ‮ ‬كتب بعد عودته إلى مصر كتابا اسمه‮ “‬ذهب باريس‮” ‬جاء فيه ما‮ ‬يلي‮: “‬ما‮ ‬يسمونه عندهم ويَتَمَنَّونَهُ‮ ‬من الحرية هو ما نسميه عندنا العدالة والمساواة‮… ‬المبدأ الثابت في‮ ‬الحياة الفرنسية هو البحث عن الجمال وليس الأبهة والتفاخر بالغنى والغرور‮… ‬مثابرة الفرنسيين على تنظيف بيوتهم وملابسهم شيء رائع‮… ‬المسرح عندهم مدرسة عمومية‮ ‬يتعلم فيها العالم والجاهل‮…” ‬

ما نلاحظه ببالغ‮ ‬الانتباه في‮ ‬كلام الشيخ طهطاوي‮ ‬هو قوله إن كلمة‮ “‬الحرية‮” ‬عند الفرنسيين مُرادفةٌ‮ ‬للعدالة والمساواة عند المسلمين‮. ‬يُمكنُ‮ ‬إذا أن نستنتجَ‮ ‬أن كلمة‮ “‬عادل‮”‬،‮ ‬التي‮ ‬استعملها ابن تيمية في‮ ‬حديثه،‮ ‬تحمل نفس معنى‮ “‬الحرية‮”. ‬في‮ ‬هذه الجملة الصغيرة نجد فلسفةً‮ ‬تاريخيةً‮ ‬تَشرحُ‮ ‬لنا لمَ‮ ‬أمكن للحضارة الغربية ـ ويُمكنُ‮ ‬لأي‮ ‬حضارة أخرى ترتكز على العدل والمساواة ـ أن تدوم حتى لمَّا ذَهَبَت أخلاقها الدينية،‮ ‬بينما خَرجت الحضارة الإسلامية من التاريخ مع أنها لا تزال تحافظ عليها‮.‬

يمكن أن ندفع بالتفكير إلى أبعدَ‮ ‬من ذلك ونُذَكّرَ‮ ‬أن المقولة الآنفة تتحدث صراحة عن حاكم‮ “‬مؤمن‮” ‬و”كافر‮”. ‬في‮ ‬ما معناه أَنَّ‮ ‬حاكما‮ (‬أو دولةً‮) ‬غير مؤمن‮ (‬علمانيا أو ملحدا‮) ‬يمكنهُ‮ ‬أن‮ ‬يَدومَ‮ ‬إذا بُنيَ‮ ‬حُكمهُ‮ ‬على العدل والحرية والمساواة،‮ ‬وأنَّ‮ ‬حاكما مؤمنا‮ (‬حاكما أو دولةً‮ ‬إسلامية‮) ‬حتما لَن‮ ‬يُعَمّرَ‮ ‬طويلا إذا لم‮ ‬يَرتكز حُكمهُ‮ ‬على هذه الخصال‮.  ‬

عندما بحثت‮ ‬يوما في‮ ‬تفاصيل الدستور الأمريكي‮ ‬لضرورة عمل،‮ ‬وجدت نفسي‮ ‬أمام التشابه بين المبدإ المفروض في‮ ‬إعلان الاستقلال الأمريكي‮ ‬الذي‮ ‬منح الحق للمواطنين الأمريكيين في‮ ‬الثورة ضد الاستبداد،‮ ‬والمبدإ الذي‮ ‬فرضه أبو بكر الصديق عندما تأكد تعيينه كخليفة رسول الله،‮ ‬الذي‮ ‬يقر نفس الحق‮. ‬الفرق فقط هو في‮ ‬الصياغة،‮ ‬لكن المحتوى نفسه‮. ‬وعلينا التأكيد هنا أن كلتا اللحظتين أي‮ ‬إعلان الاستقلال الأمريكي‮ ‬وخطاب تولي‮ ‬الخلافة كانتا فارقتين في‮ ‬تاريخ الأمتين لأنهما كانتا لحظتا تأسيسهما‮. ‬

نقرأ في‮ ‬الفقرة الثالثة من إعلان الإستقلال‮: “‬تنصب الحكومات بين الرجال كي‮ ‬تكفل الحقوق،‮ ‬وسلطتها العادلة تنطلق من رضا المحكومين عنها،‮ ‬لكن متى أصبح الحكم مدمرا لهذا الهدف،‮ ‬للشعب الحق في‮ ‬تغييره أو إلغائه وتأسيس حكومة جديدة‮… ‬من حقه،‮ ‬بل ومن واجبه رفض مثل هذه الحكومة‮…” ‬ولإعطاء المواطنين الأمريكيين الوسائل لتفعيل هذا المبدأ،‮ ‬شرع لهم التعديل الثاني‮ ‬للدستور الحق في‮ ‬امتلاك وحمل السلاح‮. ‬الأمريكيون لم‮ ‬يعرفوا محاولة فرض الاستبداد عليهم،‮ ‬وبالتالي‮ ‬الانتفاض ضده‮. ‬انطلاقا من هذا المبدإ القديم بقيت حرية حمل السلاح بالرغم من المشاكل التي‮ ‬تطرحها في‮ ‬المجتمع الأمريكي‮ ‬من‮ ‬يوم إلى آخر‮. ‬

بعد تعيينه كأول خليفة لرسول الله،‮ ‬خطب سيدنا أبو بكر الصديق أمام من بايعوه قائلا‮: “‬أما بعد أيها الناس،‮ ‬فإني‮ ‬قد وليت عليكم ولست بخيركم،‮ ‬فإن أحسنت فأعينوني،‮ ‬وإن أسأت فقوموني،‮ ‬الصدق أمانة،‮ ‬والكذب خيانة‮”. ‬فقام إليه أحد الحاضرين وقال‮: “‬لو رأينا فيك إعوجاجا لقومناه بسيوفنا‮”- (‬على اختلاف الروايات بين نسبة هذه الحادثة إلى سيدنا أبي‮ ‬بكر أو سيدنا عمر أو إنكارها كلية‮). ‬أليست الفلسفة السياسية هي‮ ‬نفسها التي‮ ‬تأسس عليها النص الأمريكي‮ ‬وخطاب أول الخلفاء؟ والجواب الذي‮ ‬رد به البدوي‮ ‬ليتمم المبدأ المطروح من طرف أبي‮ ‬بكر،‮ ‬ألا‮ ‬يقابل التعديل الثاني‮ ‬الذي‮ ‬شرع للجوء إلى استعمال السلاح لمحاربة سلطة‮ ‬غير شرعية؟‮  ‬

لماذا سارت الأمور بشكل جيد لدى الأمريكيين وعكس ذلك لدى المسلمين؟ لأن ربع قرن بعد الإعلان عن هذا المبدإ،‮ ‬قام والي‮ ‬دمشق،‮ ‬معاوية بن أبي‮ ‬سفيان بالانقلاب على الخليفة الشرعي‮ ‬علي‮ ‬بن أبي‮ ‬طالب،‮ ‬وأسس للتوريث في‮ ‬الحكم دون أن تثور الرعية ضده،‮ ‬فتفنن بعدها من خلفوه جيلا بعد آخر‮. ‬منذ ذلك الحين،‮ ‬دخلت الشعوب التي‮ ‬يجمعها البندير ويفرقها سيف الحجاج العصر الذي‮ ‬لم‮ ‬ينقطع من الاستبداد بكل تصريفاته‮: ‬خليفة السلالة الحاكمة،‮ ‬المملكة،‮ ‬الرئاسة مدى الحياة،‮ ‬الجمهوريات المتوارثة‮…‬

ترجمة: بوكروح وليد‮ 

مقالات ذات صلة