“الأدب النسوي” أقحم إيديولوجيا.. ومتفائلة بمستقبل النقد الثقافي في الجزائر
تؤكد الدكتورة سليمة مسعودي حرصها على التوفيق بين الشقين الأكاديمي والإبداعي، فهي تعد شاعرة نشرت عديد الدواوين، وسجلت حضورها كناقدة بعديد الإصدارات، وفي الوقت نفسه فهي تشتغل أستاذة في كلية اللغة والأدب العربي بجامعة باتنة. في هذا الحوار تتحدث الشاعرة الدكتورة سليمة مسعودي عن عديد الجوانب الإشكالية والثقافية، كما تتطرق إلى آخر منشوراتها في مجال الشعر والنقد، وكذا رؤيتها الخاصة لواقع النشر في الحقل الثقافي والأدبي في الجزائر.
بين الشقين الإبداعي والأكاديمي، أين تجد نفسها الدكتورة سليمة مسعودي؟
أعتقد أن الشاعر الناقد أو المبدع الناقد هو شخصية حُكم عليها أن تتعامل مع بُعدين يكمل أحدها الآخر، الجهد الإبداعي الشعري والجهد النقدي. الجهد الشعري هو نتيجة تفاعلات مع الحياة وتطلعات إلى نداءات، حنين إلى براري معينة تسكننا هناك، حنين إلى ما نطوق أن يكون ذات يوم ولم يكن ولن يكون، ملاحقة معنى لا يتحقق أبدا، محاولة اصطياد معنى لن نصطاده أبدا، محاولة تسمية حالات لا نستطيع أن نسميها أبدا، وتبقى النصوص في محاولاتنا. بالنسبة للجهد النقدي بحكم تخصصي في الجامعة، وبحكم هذه الشخصية المبدعة في آن. أنا أتعامل مع الجانب النقدي بمزاجية وذوقية عالية. لا أستطيع أن أتعامل مع نصوص لا تروقني، أو خطابات لا أجد فيها تجاوبا روحيا من قبل ذاتي، رغم أنني حين أتعامل فأنا أتعامل بتوثيق أكاديمي مع القدر اللازم من الموضوعية لكوني ناقدة. في مجال النقد أنت تقود مغامرة جميلة لا تقل عن مغامرة الكتابة، في الكتابة الإبداعية نحن مدفوعون بقلق، نجبر على الكتابة، هناك شيء ما يناديك وأنت تريد أن تقوله، هناك حنين ما. وبالتالي نعيش هذا القلق وهذا الاضطراب والتوتر، نحن نفرغه عن طريق اللغة وعن طريق التخييل شعرا. بالنسبة للعمل النقدي، برغبة ومسؤولية في الاكتشاف، برغبة روحية عالية تجد نفسك تحاور نصوصا وتمنحها من ذاتك وتفتح لها المجال واسعا من أجل أن تمنحك هي حقيقتها وأسرارها. ففرح أو الشغف بالكتابة النقدية لا يقل عن ضرورية الكتابة الإبداعية.
من ديوان “أناشيد الروح” إلى “أسفار المتاه”.. كيف تقيمين تجربتك مع الكتابة الإبداعية الشعرية؟

“أناشيد الروح” كان أول عمل يرى النور من أعمالي، كان تجربة جميلة جدا، نشر عام 2016، يضم في الحقيقة نصوصا قديمة تعود إلى العشرية الأولى من هذا القرن الـ21، هناك موضوعات عالية التذوق وهنالك موضوعات فرضتها الساحة السياسة بكل زخم المتغيرات الكثيفة والمتسارعة والمتواترة التي شهدتها وانفعلنا معها ولم ينج أي منا في هذه الحياة من التفاعل معها. نالت تجربة “أناشيد الروح” اهتمام أساتذتي وطلبتي وكانت حولها بعض مذكرات الماستر بجامعات بجاية والشلف وباتنة. تجربة الكتابة الشعرية لا بد منها، تجد نفسك مجبرا أن تكتب، فجاءت “أسفار المتاه”، ديوان ثان يطل على عملي الروحي العميق من الشعر، لكن مهما كانت إطلالاتنا فإنها لا تستطيع أن تكتشف غور البئر، تبقى البئر عميقة وسحيقة القرار، ويبقى المعنى في أسفلها سحيق القرار، تتوالى المحاولات للولوج لا نجد جالا البقعة المائية بقعة الضوء التي تنعكس على سطح عمق القرار داخل بئر المعنى.
لو نتحوّل إلى إصداراتك النقدية، كيف تنظرين إلى هذه المغامرة من بوابة كتاب “الحداثة والتجريب في تشكيل النص المعاصر”؟
هي تجربة جميلة، وحاليا أقوم بجمع مقالاتي وأعمالي النصية من أجل نشرها، وسأواصل بنفس الوتيرة إذا سمحت لي الظروف بذلك. أما عن كتاب الحداثة والتجريب في تشكيل النص الشعري المعاصر (دراسة في شعر أدونيس)، فهو عبارة عن أطروحتي في الدكتوراه، من خلال دراسة لكتاب ديوان “الكتاب أمس المكان الآن”، هذا الكتاب المعرفي الضخم الذي تجاوز بالشعر آفاقه المألوفة كلها، وسرى به في فضاءات ممتدة تشكيلا ورؤية ومعرفة. ديوان “الكتاب أمس المكان الآن” هو ديوان ضخم فيه 3 أجزاء عبر خارطة المتعارف عليه في الشعر وتجاوزها، حيث تعامل مع القصيدة الخليلية ومع القصيدة التفعيلية المدورة وغير المدورة، وكذا قصيدة النثر، كما وظف السرد العجائبي والتاريخي، ووظف الأقنعة، مثلما وظف تعدد الأصوات والدرامية، وفي الوقت نفسه، فتح آفاق التجريب والتجاوب إلى أقصى مداءاتها. وقد مكنني هذا الكتاب من التعامل مع الشعر المعاصر نظريا وتطبيقيا. جاء هذا الكتاب في جملة من الفصول، حيث تناول أبعاد النظرية الشعرية الأدونيسية، كما تناول حداثة التشكيل الشعري وتداخل الأجناس من حيث توظيف السرد العجائبي والتاريخي، كيف يستطيع البعد البصري أفقيا وعموديا أن يقدم حياة ورؤية عن نصه. تناول تشكيلات الإيقاع في الكتاب. كيف أنتقل من الوزن المغلق إلى الإيقاع المفتوح. ما هي أبرز التشكيلات الإيقاعية في هذا الكتاب. الجملة الشعرية التدوير إيقاع التفعيلة الخليلي قصيدة النثر. طبيعة اللغة الشعرية وكيف تجاوزها بعدها الإيضاحي مع النصوص الجاهزة. تناول اللغة الشعرية الأدونيسية كشعرية للكينونة من فتنة الانبهار والكشف إلى شهوة الرغبة في الخلق وهندسة المعنى، أهم التشكيلات البنائية وهندسة المعنى، صورة البلاغة وبلاغة الصورة وغيرها من المحاور.
لك إصدار آخر يصنف في خانة النقد الثقافي، وهو “جدل السياقات والأنساق”، كيف عالجت مسألة الخطاب الثقافي والديني وأسئلة الهوية وكذا سيمياء المكان؟
هو مقاربات نقد ثقافية في السيرة الذاتية والسرد الروائي والعقل الديني، تناول جملة من الموضوعات التي تعد ربما من اهتمامات النقد الثقافي قلبا وقالبا، تناولت في الفصل الأول الخطاب الثقافي وأسئلة الهوية والمنفى، وهو عبارة عن قراءة في الخطاب الثقافي عند ادوارد سعيد، مركزة على كتابه سيرته الذاتية “خارج المكان” موظفة السرديات الثقافية. الفصل الثاني جاء فيه سيمياء المكان والمعمار وهو عبارة عن مقاربة في ضوء سيميائيات السردية الثقافية من خلال النص السردي “سفر البنيان” لجمال الغيطاني، أي كيف يكون المكان دلالة على حياة ثقافية ذاخرة، كتاب الغيطاني حاور الأنسنة والمعمار منذ العصر الفرعوني وجعل منها حيويات ناطقة، كيف تجلى المعمار في هذا الكتاب، كيف أسس وجوده على فلسفة الحضور والغياب، كيف جاءت هندسة العمل السردي والعجائبي في سفر البنيان، أما الفصل الثالث فعالج موضوع محمد أركون وتحرير الفكر الإسلامي، كيف نظر إلى الاستشراق مشروعه في الوعي الإسلامي وماذا قدم في نقد العقل الديني، وما مفهومه للعقل الاستطلاعي، أما الفصل الرابع تحوّلات وعي التلقي وتشكل الخطاب الديني فهو مقاربات في شكل تلقي النص الديني، كيف تشكل الخطاب الديني بين التفسير والتأويل، كيف انفتحت المعرفة على ضرورة تجديد الخطاب الديني، ما مفهوم الأنسنة ونقد العقل والتعليم والتحليل التاريخي كآليات إستراتيجية في مقاربة التحليل السياسي.
لاحظنا أيضا حرصك على الجانب التطبيقي، من خلال تحليل النصوص الإبداعية في كتاب “الذات والمرآة في تأويل النص الشعري”، فكيف كانت هذه التجربة في ظل اعتمادك على المنهج التأويلي؟

فعلا هذا الكتاب عبارة عن قراءات تطبيقية تعتمد المنهج التأويلي، حيث أعتبر التأويل هو ما يفتح النص على جملة من الأسئلة والإجابات في آن. يمكننا التأويل لا من أن نُقوّل النص ما لا يقله بل أن يفتح لنا آفاقا احتمالية حول ما يمكن أن يقوله، هذا الكتاب تناولت من خلاله كيمياء الذات في نصوص من الشعر المعاصر، رصد لأحوال الذات الشاعرة في نصوص من الشعر الجزائري، فتناول الذات وأبجدية الأسئلة، وعي الذات ورؤية العالم، الذات والشعر، الصوت والصدى، رصد لأحوال الذات الشاعرة في نصوص من الشعر الجزائري، الذات والغيب، إيقاع المكاشفة والتجلي قراءة في “صحوة الغيم” لأستاذي الدكتور عبد الله العشي، الذات والواقع الآخر، إيقاع المفارقة والتصادم قراءة في ديوان “رجل من غبار” لعاشور فني، ثم الذات الشاعرة وإيقاع الدهشة والاختلاف قراءة في نص “لعصافيرك غابة الصمت” للشاعر عبد الرحمان بوزربة، ثم كيمياء التخييل وتفكيك الصمت، من خلال قراءة في نصّ “وردة الغبار” للشاعر عبد الرحمان بوزربة، ثم الذات وجدلية الصراع الداخل للخارج من خلال نص “النبتة التي تنام فوق الثلاجة” للشاعر الدكتور عبد القادر رابحي.
أما الفصل الثاني فيتناول حفريات اركيولوجية للبحث في جذور الأسطورة، من خلال أنشودة المطر للسياب أنموذجا، وكذا قراءة في ضوء المنهج الأسطوري، فيما خصصت الفصل الثالث لشعرية الحياة عند السياب، مع دراسة تحليلية لنص “غريب على الخليج”، أما الفصل الرابع فكان لشعرية الكتابة البصرية، من خلال نموذج “ورقة البهاء” لمحمد بنيس، أما الفصل الأخير فتمحور حول اركيولوجيا الشعر الأنثوية، حيث ركزت فيه على الشعر النسوي الجزائري.
ما دمت تحدثت عن الشعر النسوي، هناك جدل بخصوص “الأدب النسوي”، ما رأيك في هذا المصطلح وفق ما له وما عليه؟
مصطلح أقحم سياسيا وإيديولوجيا وفق جملة من الظروف والمتغيرات، حيث أن خروج المرأة من عالم منغلق، عالم العادات والتقاليد، إلى عالم العلم والإبداع وتمكنها من الكتابة، هو الذي دعا إلى وجود هذا الأدب النسوي وهو أحد صنوف أدب الهامش الذي نظر إليه النقد الثقافي الذي نظرا نته من ضمن محاوره واهتماماته. علينا أن نعترف أنه “وليس الذكر كالأنثى”، هناك خصوصيات في كل ذات. هذه الخصوصيات ليست عيبا وإنما هي طبيعة. الاختلافات في مجال الكتابة ناجمة عن هذه الطبيعة لا ينقص من قيمة الأدب النسوي، تدفق أمومي عاطفي بنوع من الرقة والأنثوية. هناك دعوة إلى إصلاح العالم من طرف المرأة، حيث لا يمكن أن ننظر إليه بعين النقصان. علينا أن نكون موضوعيين، سواء ذوات أنثوية أو ذكورية، علينا أن ننطق من فكرة التشارك والتكامل لا من فكرة الإقصاء.
من خلال تجربتك مع الكتابة، كيف تنظرين إلى مستقبل النقد وواقع النشر في الجزائر؟
واقع النقد في الجزائر بدأ ينتعش، خاصة في مجال النقد الثقافي، هناك بروز لافت للنقد الثقافي بترجماته وإبداعاته، حيث يخطو خطوات مهمة أكثر من غيره. هناك المحاباة على أساس صداقات أو أسماء براقة أو صدى إعلامي واسع لكن هذا لا يؤثر على الحقيقة، وهو أن النقد الجزائري بصفة عامة يعيش عصرا جميلا مستقبلا بإذن الله. أما بخصوص واقع النشر فهناك معاناة في هذا الجانب، حيث يبقى الكتاب على نطاق ضيق في الجزائر، لأن الكثير من دور النشر الجزائرية لا تمكنها الظروف من المشاركة في معارض عربية ودولية، بينما النشر خارج الجزائر يمكن كتابك من أن يجوب مختلف المعارض العربية والدولية، لكن للأسف لا يكون متوفرا كما يجب في الجزائر.
هل من مشاريع مستقبلية إبداعا ونقدا؟
لدي ديوانان قيد الطبع، وهما ديوان “الغمام الذي أمطر القلب” وديوان “فصول من كتاب الريح”، كما أشتغل في جملة من المقالات حول السرد والهوية.
ماذا يمكن أن تقوليه في الأخير؟
يجب أن نلتف كمثقفين ونقاد وأساتذة جامعيين من أجل أن نرتقي بمدننا التي هي في أمس الحاجة إلينا، مثلا مدينة باتنة خالية من المقاهي الثقافية، من المفترض كل كتاب يصدر إلا وتدار حوله ندوات نقدية. وبالمناسبة أشكر الأستاذ محمد بن عبد الله الذي يسهر على تسخير مكتبته كمنارة ثقافية أدبية جميلة، وأشيد بجهود الدكتور طارق ثابت الذي يدافع بجبهة قوية على الوضع الثقافي في باتنة، كما أشكر أيضا الشاعرة سامية بن أحمد على تضحياتها من أجل رفع المستوى الثقافي، وأشكركم كإعلاميين في تسليط الضوء حول كل ما يصدر ثقافيا في هذه المدينة وبقية مدن الجزائر.