الأزمة في مالي.. دلالاتُ الواقع ورسائل الرئيس تبون
مع تنامي الأزمة الأمنية في مالي يظلّ مستقبل البلد بتوازن دقيق وهشّ بين تعقيدات الداخل وضغوط الخارج، في سياق لم تعد فيه الأزمة مجرد تمرد مسلح، بل تحوّلت منذ تداعيات انقلاب مالي 2012 إلى أزمة دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وفي هذا الإطار، يبدو سيناريو “الجمود المزمن” هو الأقرب للواقع على المدى القريب، إذ تواصل السلطة في باماكو الحفاظ على حضور محدود ومضغوط، في مقابل توسع نفوذ جماعات مثل تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” وتنظيم “داعش” في الصحراء الكبرى في الأطراف والمناطق الهشة.
لكن هذا الوضع لا يحمل أي ضمانة للاستقرار، فهو توازن قابل للكسر في أي لحظة، وقد يقود إلى سيناريو أشد خطورة يتمثل في التفكك التدريجي، خاصة مع تراجع فعالية الحلول السياسية وتجميد مسار اتفاق الجزائر 2015 للسلام في مالي، الذي كان يشكل الإطار الأكثر واقعية لاحتواء الأزمة. وفي المقابل، يظل خيار إعادة بناء الدولة ممكنًا، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، وإعادة إدماج الفاعلين المحليين ضمن مشروع وطني جامع، إلى جانب دعم إقليمي متوازن تقوده الجزائر بخبرتها في الوساطة.
كما أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة، خاصة بعد انسحاب عملية “برخان” الفرنسية وصعود أدوار جديدة مثل مجموعة “فاغنر” الروسية، تعكس انتقال مالي نحو ترتيبات أمنية بديلة قد تمنح استقرارًا ظرفيًّا من دون معالجة الأسباب العميقة للأزمة. وفي النهاية، يبقى مستقبل مالي مرهونًا بقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة، في سياق إقليمي مضطرب يشهده كامل فضاء الساحل الإفريقي.
قراءة في الأحداث
تشهد مالي منذ انقلاب 2012 مسارًا تدريجيًّا نحو تغليب منطق العسكرة كإطار أساسي لإدارة الأزمة، وهو اتجاه تعمّق أكثر بعد انقلابي 18 أوت 2020 و24 ماي 2021، إذ أعادت السلطة الانتقالية في باماكو ترتيب أولوياتها على أساس أولوية الأمن. ومع إعلان نهاية عملية “برخان” الفرنسية في أوت 2022، دخلت البلاد مرحلة تحول استراتيجي اتجهت فيها نحو تنويع الشركاء الأمنيين، خصوصًا مع مجموعة “فاغنر” منذ أواخر 2021، ضمن ما يُعرف بتفويض أمني.
في المقابل، تزامن هذا التحول مع تراجع واضح في مسار اتفاق الجزائر للسلام في مالي الموقع في جوان 2015، والذي كان يقوم على مقاربة شاملة ترتكز على اللامركزية، وإعادة الإدماج، والتنمية المحلية. غير أن تجميد بعض بنوده منذ 2023 يعكس نوعًا من “التنكر السياسي” لهذا المسار لصالح مقاربة أمنية ضيقة. كما يعكس ذلك تراجع دور الجزائر كوسيط إقليمي رغم خبرتها الطويلة في إدارة الوساطات منذ 2014.
ورغم أن خيار القوة الصلبة قد يحقق مكاسب ميدانية محدودة، إلا أنه لا يلامس جذور الأزمة المرتبطة بفشل الحوكمة، والتهميش، وضعف قدرة الدولة. كما أن استمرار نشاط جماعات مثل “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” وتنظيم “داعش” في الصحراء الكبرى يؤكد حدود الحل العسكري. وعليه، فإن مستقبل مالي بعد 2025 سيظل مرهونًا بقدرتها على الانتقال من حكم مُعسكَرٍ إلى تسوية سياسية شاملة، لأن استمرار الإفراط في العسكرة قد يقود إلى استقرار هش بدل سلام دائم في فضاء الساحل الإفريقي.
وتعيش مالي منذ أكثر من عقد على وقع صراع متعدد الطبقات تتداخل فيه سلطة الدولة مع جماعات مسلحة ذات مرجعيات متباينة، ما جعل المشهد أقرب إلى صراع مُجزّأ بدل مواجهة تقليدية واضحة الأطراف. في الشمال والوسط تنشط جماعات مثل تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” التي تعتمد على نمط تمرد طويل الأمد يقوم على التغلغل داخل المجتمع أكثر من المواجهة المباشرة، ما يمنحها قدرة على الاستمرار رغم الضغط العسكري. وفي المقابل يتمدد تنظيم “داعش” في الصحراء الكبرى بمنطق تنافس عنيف مع خصومه، الأمر الذي يضيف طبقة جديدة من التعقيد داخل الجغرافيا الأمنية ذاتها. وإلى جانب ذلك، تبرز حركاتٌ محلية ذات طابع عرقي وسياسي في مناطق مثل كيدال، تتأرجح بين التعاون مع الدولة والصدام معها ضمن شبكة تحالفات هجينة تزيد من هشاشة المشهد. هذا التشابك جعل الدولة في باماكو أمام معادلة مزدوجة: مواجهة تمرد مسلح من جهة، وصراع على الشرعية وبسط النفوذ من جهة أخرى. تاريخيًّا، حاولت الدولة احتواء هذا الوضع عبر اتفاق الجزائر للسلام في مالي الذي قام على تسوية سياسية قائمة على اللامركزية وتقاسم السلطة، غير أن ضعف التنفيذ وتجميد بعض بنوده أدى إلى تآكل الثقة بين الأطراف وعودة منطق السلاح. وبعد انسحاب عملية “برخان” الفرنسية برز نمط جديد يقوم على الاستبدال الأمني عبر شركاء خارجيين مثل مجموعة “فاغنر” الروسية، من دون أن ينجح ذلك في إنهاء جذور الأزمة، بل ساهم في إعادة تشكيلها ضمن حرب غير متكافئة أكثر تعقيدًا.
وشهدت مالي بعد 25 أفريل 2026 تصعيدًا جديدًا في الشمال، حيث عادت المواجهات إلى الواجهة ضمن نمط تصعيد يعكس هشاشة الوضع الأمني. في مناطق كيدال وغاو نفذت الحركات الأزوادية هجمات مركزة ضد مواقع الجيش في إطار حرب عصابات تعتمد على السرعة والانتشار والانسحاب، ما صعّب على القوات النظامية تثبيت مكاسب ميدانية دائمة. هذه التطورات جاءت كرد مباشر على تدهور مسارات التفاهم السابقة، خاصة مع تعثر تنفيذ بنود اتفاق الجزائر للسلام في مالي، ما أعاد إلى الواجهة منطق عودة التمرد وتفكك الثقة بين الفاعلين. بالتوازي، زاد تصاعد نشاط تنظيم “داعش” في الصحراء الكبرى من تعقيد المشهد، ليصبح الصراع متعدد الفاعلين وغير قابل للاحتواء السهل. وفي المقابل، لجأ الجيش المالي إلى تنفيذ عمليات عسكرية مضادة من مواقعه في باماكو، غير أنها لم تحقق استقرارًا دائمًا، ما يعكس استمرار الأزمة ضمن بيئة إقليمية مضطربة في فضاء الساحل الإفريقي. وفي المحصلة، فإن إدارة هذا الصراع تتطلب انتقالًا فعليًّا من منطق القوة الصلبة إلى منطق الحوكمة الشاملة، لأن استمرار التناحر من دون تسوية سياسية حقيقية يبقي مستقبل مالي مفتوحًا على كل السيناريوهات.
رسائل الرئيس تبون
إن تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون في حديثه لوسائل الإعلام بخصوص أن رئيس مالي “لم يُسئ إلى الجزائر” تحمل في جوهرها جملة من الرسائل السياسية والإستراتيجية الموجَّهة إلى باماكو وإلى الفاعلين الإقليميين:
أولًا، هي رسالة تهدئة تؤكد أن الجزائر لا ترغب في تصعيد دبلوماسي رغم التوترات الأخيرة، بل تسعى إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة.
ثانيًّا، تعكس تمسك الجزائر بمنطق الفصل بين الشعوب والخلافات السياسية، بما يمنع الانزلاق نحو قطيعة شاملة.
ثالثًا، تحمل دعوة ضمنية للعودة إلى المسار السياسي بدل التصعيد الإعلامي أو الأمني، خاصة في ظل تعثر اتفاق الجزائر للسلام في مالي.
رابعًا، تؤكد استمرار الجزائر في أداء دور الوساطة في الأزمة المالية، وعدم انسحابها رغم محاولات تهميش هذا الدور.
خامسًا، تمثل رسالة طمأنة بأن الجزائر لا تستهدف استقرار مالي، بل تعتبر أمنه جزءًا من أمن المنطقة.
سادسًا، توجّه إشارة غير مباشرة إلى ضرورة تجنُّب خطاب التصعيد الذي قد يؤثر على العلاقات الثنائية.
سابعًا، تعكس حرص الجزائر على الوحدة الترابية لمالي ورفض أي سيناريو تفكُّك.
ثامنًا، تحمل بعدًا إقليميًّا يؤكد أن استقرار الساحل الإفريقي يتطلب تعاونًا لا صراعًا.
تاسعًا، تعكس أيضًا رغبة في إعادة بناء الثقة بين البلدين بعد فترة من التوتر.
صفوة القول، تمثل هذه التصريحات محاولة لإعادة توجيه العلاقة نحو منطق الشراكة الاستراتيجية بدل التباعد، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام حلول سياسية مستدامة.
أفقٌ مفتوح على جميع الاحتمالات
رغم تعدد المقاربات الأمنية وتبدّل التحالفات الإقليمية، تكشف تطورات المشهد المالي أن غياب تسوية سياسية جامعة يجعل أي إنجاز عسكري ظرفيًّا وقابلًا للانهيار. ويظلّ المسار الذي كرّسه اتفاق الجزائر للسلام في مالي الإطارَ الأكثر قدرة على إعادة بناء الثقة بين الدولة والحركات المحلية، عبر توسيع اللامركزية وتفعيل برامج نزع السلاح وإعادة الإدماج وربط الأمن بالتنمية الموجهة. في المقابل، فإن الانزلاق نحو العسكرة الصرفة وتهميش الوساطة الجزائرية يدفعان نحو تعميق هشاشة الدولة واتساع دوائر التمرد، مع إعادة إنتاج الصراع بين الفاعلين المسلحين. وفي هذا السياق، يصبح خطر التفكك احتمالًا واقعيًّا، ليس فقط على المستوى الجغرافي، بل كذلك على المستوى المؤسساتي والاجتماعي، بما يهدِّد وحدة البلاد ويضاعف الكلفة الإنسانية. لذلك، تبقى استدامة الاستقرار في فضاء الساحل الإفريقي رهينة العودة الجدية إلى مسار سياسي شامل قائم على تنفيذ فعلي لاتفاق الجزائر، باعتباره الصيغة الأكثر توازنًا للانتقال من إدارة الصراع إلى بناء السلام؛ أما الاستمرارُ خارج هذا الإطار، فيحمل مخاطر الانزلاق نحو موجات متجددة من العنف قد تقود إلى انهيار أوسع يصعب احتواؤه.
وتظلّ الحالة في مالي شديدة الغموض، إذ تتشابك الديناميكيات الأمنية والسياسية بصورة تجعل من الصعب رسم اتجاه ثابت للأزمة. ومع تصاعد المواجهات بين الجيش والحركات الأزوادية في الشمال، وعودة نشاط جماعات مثل تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” وتنظيم “داعش” في الصحراء الكبرى، بات المشهد أقرب إلى صراع سائل تتغير فيه موازين القوى بصورة مستمرة. كما أن تراجع فعالية الأطر السياسية، وفي مقدمتها اتفاق الجزائر للسلام 2015، عمّق حالة الغموض بشأن مستقبل التسوية. وفي ظل تعدد الفاعلين، من المؤسسة العسكرية إلى الجماعات المسلحة وصولًا إلى القوى الخارجية، لم يعد بالإمكان الحديث عن مسار أحادي واضح، بل عن شبكة متداخلة من المصالح والتوازنات والصراعات داخل فضاء الساحل الإفريقي. وعليه، يبقى الوضع مفتوحًا على مختلف السيناريوهات، من دون ترجيح حاسم بين الاستقرار والانهيار، ما يجعل مالي تعيش حالة عدم استقرار ممتدّ يصعب التنبؤ بمآلاته الإستراتيجية.
وتشكِّل العودة إلى مسار الجزائر للسلام في مالي خيارًا استراتيجيًّا لإعادة ضبط التوازنات داخل فضاء الساحل الإفريقي، باعتباره الإطار السياسي الأكثر قدرة على تحويل الصراع من منطق القوة إلى منطق التوافق؛ فالاتفاق لا يقتصر على كونه وثيقة سياسية، بل يمثل هندسة لإعادة بناء الدولة عبر اللامركزية وتوسيع المشاركة المحلية، بما يحدّ من أسباب التوتر البنيوي التي تغذي عدم الاستقرار.
ومن زاوية جيوسياسية، فإن تراجع هذا المسار يفتح المجال أمام تمدد الفاعلين المسلحين وتداخل الأجندات الإقليمية والدولية داخل مالي، ما يعمّق حالة الهشاشة الأمنية ويُضعف سيادة الدولة. أما تفعيله من جديد، فيعيد تثبيت دور الوساطة الإقليمية ويحدّ من منطق الاصطفافات العسكرية، بما يسمح بإعادة إنتاج الاستقرار على أساس سياسي لا أمني فقط.
تشهد مالي منذ انقلاب 2012 مسارًا تدريجيًّا نحو تغليب منطق العسكرة كإطار أساسي لإدارة الأزمة، وهو اتجاه تعمّق أكثر بعد انقلابي 18 أوت 2020 و24 ماي 2021، إذ أعادت السلطة الانتقالية في باماكو ترتيب أولوياتها على أساس أولوية الأمن. ومع إعلان نهاية عملية “برخان” الفرنسية في أوت 2022، دخلت البلاد مرحلة تحول استراتيجي اتجهت فيها نحو تنويع الشركاء الأمنيين، خصوصًا مع مجموعة “فاغنر” منذ أواخر 2021، ضمن ما يُعرف بتفويض أمني.
تزامن هذا التحول مع تراجع واضح في مسار اتفاق الجزائر للسلام في مالي الموقع في جوان 2015، والذي كان يقوم على مقاربة شاملة ترتكز على اللامركزية، وإعادة الإدماج، والتنمية المحلية. غير أن تجميد بعض بنوده منذ 2023 يعكس نوعًا من “التنكر السياسي” لهذا المسار لصالح مقاربة أمنية ضيقة. كما يعكس ذلك تراجع دور الجزائر كوسيط إقليمي رغم خبرتها الطويلة في إدارة الوساطات منذ 2014.
استمرار نشاط جماعات مثل “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” وتنظيم “داعش” في الصحراء الكبرى يؤكد حدود الحل العسكري. وعليه، فإن مستقبل مالي بعد 2025 سيظل مرهونًا بقدرتها على الانتقال من حكم مُعسكَرٍ إلى تسوية سياسية شاملة، لأن استمرار الإفراط في العسكرة قد يقود إلى استقرار هش بدل سلام دائم في فضاء الساحل الإفريقي.
يظلّ المسار الذي كرّسه اتفاق الجزائر للسلام في مالي الإطارَ الأكثر قدرة على إعادة بناء الثقة بين الدولة والحركات المحلية، عبر توسيع اللامركزية وتفعيل برامج نزع السلاح وإعادة الإدماج وربط الأمن بالتنمية الموجهة. في المقابل، فإن الانزلاق نحو العسكرة الصرفة وتهميش الوساطة الجزائرية يدفعان نحو تعميق هشاشة الدولة واتساع دوائر التمرد، مع إعادة إنتاج الصراع بين الفاعلين المسلحين.