الأسباب ليست رياضية
ما حدث الأسبوع الماضي في ملعب 5 جويلية بمناسبة مباراة الكأس بين اتحاد العاصمة واتحاد الحراش من مناوشات بين الأنصار وتجاوزات واعتداءات وتخريب للمدرجات وتكسير للكاميرات، أسال الكثير من الحبر والتعاليق في الأوساط الرياضية والإعلامية التي نددت بتلك التصرفات وطالبت بتشديد العقوبات على المناصرين والنوادي، طبعا دون أن يتجرأ أي واحد منا على محاولة معرفة الأسباب ومعالجتها والأخذ بأيدي أبنائنا بلطف وحزم في الوقت ذاته.
الكل يتحدث عن الردع ومواجهة العنف بالقوة وتسليط أقصى العقوبات على ضحايا المجتمع، ولكن لا أحد اقترب من هؤلاء الشبان المناصرين وتوغل في الأحياء الشعبية التي يقطنون فيها لمعرفة حاجياتهم ومشاكلهم ومأساتهم ومعاناتهم اليومية مع البطالة وأزمة السكن والحقرة والإحساس بالظلم والتهميش وانعدام الوازع الديني والأخلاقي، وغياب دور الأسرة والمدرسة والمسجد وجمعيات المجتمع المدني وكثير من مؤسسات الدولة التي استقالت من مهامها وتخلت عن واجباتها تجاه شريحة كبيرة من المجتمع إذا فسدت فسد المجتمع كله!!
صحيح أن أعمال العنف والتخريب التي وقعت مؤسفة ومؤلمة ولا يمكن تبريرها أو السكوت عنها، ولكن إذا أردنا تحليلها والتدقيق فيها فسنجدها بعيدة تماما عن مباراة الكأس، والوقائع حدثت قبل انطلاقة المباراة، وأعمال التخريب والتكسير وقعت بين شوطي المباراة عندما كانت النتيجة هي التعادل السلبي، مما يدل على أن تلك التصرفات لم تكن بسبب المباراة والخسارة أو التحكيم أو حتى بسبب اللاعبين، وإنما هي بعيدة عن تداعيات الكرة والمباراة، ونابعة من تذمر كبير لفئة واسعة من الشبان الذين يجدون في الملعب متنفسا لهم للتعبير عن مكنوناتهم وغضبهم وسخطهم على أوضاعهم البائسة والتعيسة، وفقدانهم الأمل في غد أفضل، في وقت يتنافس فيه أصحاب الشكارة على مناصب في البرلمان بالملايير، وتزداد فيه الفوارق الاجتماعية بين الناس، ونبتعد فيه أكثر عن تلبية طموحات أبنائنا وتطلعاتهم في التغيير الموعود منذ مدة..
هؤلاء الشبان الذين خربوا الملعب وكسروا كاميرات التلفزيون وتراشقوا بالكراسي دون مبررات كروية مباشرة، هم ضحايا قبل أن يكونوا متهمين، ونحن نتقاسم معهم مسؤولية تصرفاتهم وعواقبها لأنهم نتاج ظروف اجتماعية قاسية، وإذا أردنا معاقبتهم فالأصوب أن نبدأ بمعاقبة الكثير من المسؤولين على مستويات عدة فشلوا في مهامهم ولم يقوموا بواجبهم وتسببوا في حالة الفساد والظلم واليأس..
هؤلاء الشباب هم ضحايا منظومة أسرية وتربوية واجتماعية وثقافية وإعلامية فاشلة تنتج العنف والحقد والإقصاء وتفرق أكثر مما تجمع، وتزيد الهوة بين القوي والضعيف وبين الغني والفقير.. منظومة أثبتت إفلاسها وعدم قدرتها على الانسجام مع الجيل الجديد وحاجياته ومتطلباته..
هؤلاء الشبان لم يجدوا بيتا يأويهم وأسرة تحتضنهم، ولم يجدوا وظيفة تغنيهم عن السؤال ولا مؤسسات ومرافق وجمعيات ثقافية واجتماعية تلبي حاجياتهم المعنوية والفكرية والمادية، وتبعدهم عن عالم الفراغ والمخدرات والعنف الذي يزداد في أوساطهم كل يوم..
هؤلاء الشبان يريدون الانتقام من مركب بحجم ملعب 5 جويلية لا يوفر لهم أدنى شروط الراحة والمتعة، ولا يوفر لهم جرعة ماء يروون بها عطشهم أو لقمة يسدون بها جوعهم أثناء حضورهم المباريات، وينتقمون من تلفزيون لا يلبي رغباتهم ولا يشاهدون فيه أنفسهم ولا يعالج مشاكلهم اليومية، ولا ينقل لهم مباريات منتخبهم الوطني، لذلك لا يعني لهم شيئا تكسير كاميرا أو كاميرات..
هؤلاء الشبان وجهوا للسلطات العمومية رسائل تحذير جديدة، وقالوا إنهم وقود قد يشعل النار في أي لحظة إذا استمر الحال على ما هو عليه، واستمر الإقصاء والتهميش والجمود والتردد في التغيير الذي لا بديل عنه، خاصة أننا وعدناهم بالإصلاح وأخلفنا الوعد..
الواقع أن تصرفات المناصرين في ملعب 5 جويلية وفي بعض المباريات الأخرى في الأقسام الدنيا التي تناقلتها وسائل الإعلام غير مقبولة تماما، ولكنها كانت منتظرة وجاءت لتعبر عن واقع يعيشه مجتمعنا وشبابنا؛ يتميز باليأس وعدم الرضا على الكثير من الأشياء، وهي تصرفات لا تخرج عن إطار العنف السائد وجرائم القتل والانتحار والسرقة والاعتداءات على الممتلكات والأشخاص والتي تحدث كل يوم في أوساط مجتمعنا ولا نسمع بها ولا نشاهدها، وتزداد من يوم إلى آخر في كل مكان، في ظل غياب قدرتنا على معالجة الأسباب وإيجاد الحلول لمشاكل الشباب..