الأسد عرفناه من زمان.. فماذا عنكم؟
من الغريب أن يطالب بعض الذين يعجنون “الرغيف العربي الأسود” بشار الأسد بالرد على القصف الإسرائيلي، فكلنا نعلم منذ أن كان والده يدكّ المساجد في حماه ليحمي حُكمه، أنهما وجيشهما أسودٌ على شعبهم، وفي الحروب الحقيقية أجبن من نعامة، وكلنا نعلم أن هذا المسمى مجازا “أسد”، غير قادر على الزئير، فما بالك أن يبرز أنيابه ولو باسمة في وجه العدو، وما قامت به إسرائيل من “تعنتر وسبعية” غير جديد، وما قام به بشار الأسد وجيشه من “جُبن ونعامية” غير جديد أيضا، وهو مرشح أن يتكرر في أي لحظة وفي أي مكان، فهذا “الشِبل” هو من ذاك “الأسد”، ضمن الظاهرة الصوتية التي تقول ما لا تفعل مع العدو، وتفعل ما لا تقوله مع شعبها، ولكن ماذا عن الطرف الآخر الذي أسّس لنفسه حكومة، وجلس في مقعد جديد في الجامعة العربية، وصار له سفراء وقنوات وأموال، وجيش يسمّى “حرا” يقدّم “البشرى” تلو الأخرى عن تحريره لأراض سورية، كانت بين أنياب أسد الورق والطائفة العلوية، وقتله وأسره للآلاف من جنود بشار وفلول حزب الله اللبناني!
هم يقولون إنهم ليسوا دولة، وهدفهم الأول القضاء على العدو الداخلي، قبل الالتفات للعدو الخارجي واسترجاع الجولان، التي يقال إن الأسد الكبير باعها بكرسي، جلس عليه ثم ورّثه لابنه، ولكن التجربة المصرية باستمرار معاهدة كامب ديفيد التي تعترف بـ”دولة” إسرائيل في عزّ الحكم الإخواني، الذي كان يعِد برمي الكيان في البحر، تؤكد أن سوريا التي أصابها الوهن، وصارت أضعف حتى من فلسطين، لن تستطيع أن تكون حتى ظاهرة صوتية مثل الأسد وابنه، ومن الصدف التي لا تسرّ أحدا، أن الناطق الإعلامي باسم الجيش الحرّ، حسن رستناوي، قال قبل القصف الإسرائيلي بساعات، إن قواته صارت أكثر جهوزية وقوة من الجيش النظامي، وبعد القصف طالب الجيش النظامي الذي وصفه بالضعيف بأن يرد على الإسرائيليين.
لقد قهرت العصابات الإسرائلية عام 1948 سبعة جيوش عربية مجتمعة، ولم تكن أكثر من عصابات وكمشة من صهاينة، لا دولة لها ولا حكومة، ومن دون تأييد غربي علني، ولا حتى اعتراف سياسي بهاته الدويلة، التي حاربت وانتصرت على دول، بعضها جذوره تعود إلى الزمن البابلي والفرعوني، وصمد حزب الله عام 2006 في وجه إسرائيل والولايات المتحدة، وهو لم يتجاوز مرحلة الحزب الذي يسكن أمينه العام في شاشة تلفزيون عملاقة لا يخرج منها أبدا، بينما تواصل الجماعات الإسلامية التي تتكئ على قطر، والتي تقدّم نفسها كحل لكل المشاكل، ومعها بقية الثوار، الذين ركبوا قطار الربيع بما فيه من زمهرير وعواصف، الدوران في حلقة، يا ليتها كانت مفرغة، بل مليئة بالدمار والدماء، والذين قالوا إن العراق انتهى للأبد وقرأوا الفاتحة على روحه، عليهم أن يقرأوا الفاتحة على روح سوريا، سواء بقي الأسد أو رحل، والذين قالوا إن إسرائيل لن تقهر أبدا، عليهم أن يعلموا أنها لم تكن في تاريخها أقوى مما هي عليه الآن وستبقى ـ للأسف ـ زمنا أطول، سواء رحل كل الأسود أم بقوا!