الجزائر
يقتحمون الطرقات غير مبالين بالخطر

الأطفال الباعة… تسول تحت غطاء التجارة

مامن.ط
  • 148
  • 0
ح.م
تعبيرية

مع حلول موسم الاصطياف، وارتفاع حركة التنقل عبر الطرقات الوطنية والولائية، برزت من جديد، بالعديد من الولايات، ظاهرة باتت تثير انشغال المواطنين ومستعملي الطريق، تتمثل في انتشار أطفال قُصّر على حواف الطرقات، وعند مفترقاتها، وبالقرب من إشارات المرور، والشوارع الرئيسية، وأحيانا في وسط الطريق حتى تكاد السيارة تلامس جسده النحيف، يعرضون للبيع قوارير المياه، الحلويات، المناديل الورقية، معقمات الأيدي، بعض الفاكهة، لعب الأطفال والبالونات الملونة، وغيرها من السلع البسيطة.
ومع الوهلة الأولى، قد تبدو الصورة مجرد نشاط تجاري، بسيط يقوم به أطفال لمساعدة عائلاتهم، غير أن الواقع يكشف وجها آخر أكثر تعقيدًا، إذ تحولت هذه الممارسات إلى شكل من أشكال الاستعطاف والتسول المقنع، يعتمد على استغلال براءة الأطفال ومشاعر الرحمة لدى المواطنين من بعض الأمهات والآباء المتواجدين غير بعيد عن الابن البريء.
الملاحظ أن أغلب السلع المعروضة لا تتجاوز أسعارها 10 أو 20 أو 40 دينارًا، إلا أن المشتري في كثير من الأحيان، لا يدفع ثمن السلعة الحقيقي، بل يمنح الطفل 50 أو 100 أو حتى 200 دينار، من دون اقتناء البضاعة أصلا، وذلك بدافع الشفقة وليس بدافع الحاجة إلى المنتج، حيث لا يقتصر الأمر على عرض السلعة فقط، بل أصبح بعض الأطفال يعتمدون على عبارات مؤثرة لاستجداء المارة، فيرددون كلمات مثل: “اشتر مني … رزقك الله عمرة”، أو يخاطبون المرأة بعبارات مثل “رزقك الله” بالذرية الصالحة، ويقولون للرجل، “بارك الله في رزقك” وللمسن: “ربي يطول في عمرك”، وإذا شاهدوا شخصًا رفقة أطفاله دعوا لهم بعبارات من قبيل “ربي يكبرهم على الطاعة”، وغيرها من الكلمات التي تستهدف الجانب الإنساني لدى المارة، وهذا الأسلوب يجعل عملية الشراء في كثير من الأحيان أقرب إلى تقديم صدقة أو مساعدة مالية، وليس إلى عملية بيع وشراء حقيقية.
الأخطر من ذلك أن معظم هؤلاء الأطفال لا تتجاوز أعمارهم 12 أو 13 سنة، ومنهم من هو أصغر من ذلك، حيث يقضون ساعات طويلة وسط حرارة الصيف اللاهبة، ويتنقلون بين السيارات المتوقفة أو المتحركة، معرضين أنفسهم لخطر الدهس في أي لحظة.
وفي العديد من التقاطعات المرورية، خاصة بالمدن الساحلية، التي تعرف هذه الأيام توافدا كبيرا للواح والزوار، وعلى الطرقات الكبرى المؤدية إليها، أصبح من المعتاد رؤية الأطفال، يركضون بين المركبات بمجرد توقف إشارة المرور، ثم يواصلون السير بين السيارات حتى بعد تحركها، وهو مشهد يشكل خطرًا حقيقيًا عليهم وعلى السائقين الذين قد يفاجأون بطفل يعبر الطريق بشكل مفاجئ، وهو الأمر الذي لا يمكن اختزاله في مجرد بيع سلع بسيطة، بل يطرح تساؤلات حول الجهات التي تقف وراء وجود هؤلاء الأطفال في الشوارع، وهل هم يعملون بمبادرة شخصية، أم يتم دفعهم من طرف أوليائهم أو أشخاص آخرين لاستغلال تعاطف المواطنين وتحقيق مداخيل يومية؟
فالطفل، بدل أن يقضي عطلته الصيفية، في اللعب أو ممارسة الأنشطة الترفيهية أو التحضير للموسم الدراسي المقبل، نجده يقضي ساعات طويلة في الشارع، يلاحق السيارات ويستجدي المشترين، بحجة جمع المال من أجل شراء لباس وأغراض وأدوات وكتب الدخول المدرسي الجديد.

تعاطف أم تواطؤ؟
تقول الحقوقية فاطمة الزهراء طلحي، أن المواطنين، رغم نبل نواياهم وتعاطفهم مع هؤلاء الصغار، مدعوون إلى إدراك أن تقديم المال بهذه الطريقة قد يساهم، من حيث لا يشعرون، في استمرار الظاهرة وتشجيع من يقف وراءها على الدفع بمزيد من الأطفال إلى الشوارع.
يبقى الطفل، في النهاية، مكانه الطبيعي المدرسة، المنزل، اللعب، وليس الأرصفة ومفترقات الطرق وإشارات المرور، العمل الموسمي، فمشاهد الأطفال وهم يركضون بين السيارات بحثًا عن مشترٍ لا ينبغي أن تصبح أمرًا مألوفًا في مدننا، لأن الطفولة ليست وسيلة للتجارة، ولا ينبغي أن تتحول إلى غطاء للتسول أو إلى مصدر دخل يُعرّض أصحابها الصغار لأخطار لا تُحمد عقباها، وفي الأخير إن حماية هؤلاء الأطفال مسؤولية جماعية، تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند السلطات المختصة، حتى لا يتحول التعاطف الإنساني إلى باب لاستغلال الطفولة وتعريضها لمخاطر الشارع.

مقالات ذات صلة