الرأي
المركز الغربي المتهالك يقاتل لإنقاذ عروش الأوليغارك

الأعراب تقاتل على مسوح ليبرالية نافقة

حبيب راشدين
  • 5230
  • 2

ما كان سينقض من بنيان العرب حين تصله رادفات الأزمة العالمية المتسارعة، قد سبقت إليه في وقت مبكر راجفة “الربيع العربي” الذي استبدل نظما فاسدة مستقرة بدول فاشلة تنعم بالفوضى، وأضاع على شعوب شمال إفريقية، ومعها الجار الأوروبي، أكثر من فرصة للاستفادة من الأزمة التي تضرب اليوم قلب المنظومة الليبرالية العالمية، وذلكم جزاء عادل لمن ذهب من الأعراب والأعراب يبحث عن قرنين ليعود بعد حين مصلوم الأذنين.

العالم ليس على أبواب أزمة اقتصادية ومالية ونقدية غير مسبوقة فحسب، بل هو في قلب الأزمة المفتوحة، إن لم يكن قد دخل المرحلة النهائية منها، لأن الأزمة تصيب، ولأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية، قلب النظام الليبرالي العالمي، في الولايات المتحدة وأوروبا، ولأن قاطرة الإنتاج فيه قد انتقلت إلى دول “البريكس” التي لا يشركها النظام القديم في القيادة. وفي هذه اللحظة التي بدأت ترتسم فيها بوادر إعادة توزيع أوراق القيادة العالمية على المستويين الاقتصادي والسياسي، يجد العالم العربي نفسه مرة أخرى خارج اللعبة، لأنه سوف يدخل الحقبة الجديدة المضطربة، ليس فقط ككيان مشتت وغير موحد، بل يدخلها بأقطار ودول فاشلة زادتها الفوضى الخلاقة المرافقة للربيع العربي ضعفا ووهنا على ما كانت عليه أصلا من ضعف.

.
 تقاتل الأعراب على مسوح ليبرالية نافقة
فمن اللافت أن يقترن انطلاق “الربيع العربي” الحالم بتوطين نظم حكم ليبرالية ديمقراطية وفق النموذج الغربي، أن يقترن مع تفجير واحدة من أعظم الأزمات في تاريخ المنظومة الليبرالية الغربية، تتضامن فيها الأزمة المالية بأخرى نقدية، وثالثة تهدد بدخول الاقتصاديات الغربية في فترة ركود وانكماش طويلة، مصحوبة بارتفاع خطير في معدلات البطالة، وتراجع في الإنتاج والاستثمار، يخشى أن تتحول، مع تدهور العملتين اليورو والدولار، إلى أزمة هيكلية معقدة لمجمل الاقتصاد العالمي، غير قابلة للعلاج على الأقل بالأدوات التقليدية.
فإلى غاية نهاية سنة 2010 كانت الأزمة المالية الناتجة عن انفجار فقاعة الائتمان العقاري، والمضاربة الفاحشة في الأسواق المالية على الديون، كانت قد صرفت النظر عن بقية أوجه الأزمة في النظام النقدي العالمي المترهل والمنفلت العقال، وعن الأزمة الأخطر في الاقتصاد الإنتاجي المتراجع منذ سنوات في كبرى الاقتصاديات الغربية. وربما كان التجاهل مقصودا، حتى تتمكن الحكومات الغربية من صرف تلك المبالغ الخيالية لإنقاذ نظامها المصرفي، بدلا من الاعتراف بواجب إدخال إصلاحات عميقة على النظام العالمي ومؤسساته القيادية، في الحقلين السياسي والاقتصادي، وإضفاء مزيد من الديمقراطية والعدالة في إدارة العلاقات الدولية.

.
 صحاري صناعية بقلب المنظومة الليبرالية
فالأزمة المالية التي اندلعت أواخر 2008 كانت متوقعة على الأقل في تحذيرات صدرت عن الكثير من كبار علماء وخبراء الاقتصاد الغربيين، كما كان متوقعا دخول الاقتصاد الليبرالي الغربي “النيو ليبرالي” دائرة الأزمة، وبعمق وتعقيد أكبر مما هو مسجل في الحقل المالي لأسباب عدة كان أبرزها: دخول منافسين جدد، مثل الصين والهند والبرازيل، استحوذوا في العقدين الماضيين على حصة الأسد من الاستثمار في الصناعة، وبداية تسجيل تصحر صناعي في معظم الدول الغربية.
فمعظم الدول الصناعية الغربية، في نادي الثمانية، شهدت عبر العقود الأربع الماضية، وتحديدا بداية من الثمانينيات انقلابا في ترتيب مساهمة القطاعات الثلاثة في الناتج المحلي الخام، حيث سجل تراجع متواصل في مساهمة القطاعات الإنتاجية في الصناعة والفلاحة إلى ما دون الثلاثين وحتى العشرين في المائة، مقابل تنامي قطاع الخدمات وتحديدا القطاعات المالية التي استحوذت على حصة الأسد.
فمنذ العهد التاتشيري تحول بلد صناعي مثل بريطانيا إلى صحراء صناعية هجرتها معظم الصناعات، باستثناء بعض القطاعات العالية التقنية، ولم يعد قطاع الصناعة في فرنسا يساهم سوى بـ: 16 في المائة من الناتج المحلي الخام مقابل 30 في المائة في بلد مثل ألمانيا، نراه اليوم يصمد أكثر من غيره في هذه الأزمة.

.
 فساد بوجهين لعملة واحدة
التقارير الغربية التي تصدر تباعا، لم تكن كافية لتهدئة مخاوف المستثمرين وأمراء المضاربة بالبورصات العالمية، رغم التزوير الذي تعمدته الحكومات من أجل التستر على الكارثة. فالقطاع المالي، الذي التهم عدة تريليونات من أموال دافعي الضرائب، لم يتعاف، كما لم يغير من سلوكياته، وكان من النتائج التي لم تكن محسوبة لهذا الإنقاذ المكلف، نشوء أزمة نقدية تعصف اليوم بأهم عملتين للتبادل التجاري العالمي: اليورو والدولار، يشكلان اليوم أكثر من 80 في المائة من احتياطات دول العالم من العملات.
ما يجري الآن في منطقة اليورو على خلفية أزمة اليونان، هو بداية لمسار سوف يفضي إلى تفكك منطقة اليورو، حتى مع الإصرار الفرنسي الألماني على إنقاذ اليونان، ومنعها من الإفلاس، أو دفع كلفة عالية سوف تفضي إلى إضعاف القدرة التنافسية لمنطقة اليورو، والأهم من ذلك، إلى إضعاف الموقف الأوروبي التفاوضي حين تأتي لحظة إعادة توزيع مقاعد القيادة في نظام عالمي جديد على المستويين السياسي والاقتصادي.

.
 صلم الأذنين لأعرابي يبحث عن قرنين
لكل ذلك فإنه يكون من المهم لدولنا المرتبطة بأكثر من حبل بالاقتصاد الأوروبي، أن تتابع وتحلل مفردات هذه الأزمة، وتستشرف آفاقها وتداعياتها، وربما الفرص التي تكون دول جنوب الأبيض المتوسط قد أضاعتها، أو سوف تضيع عليها، نتيجة الخراب الذي خلفه الربيع العربي في أربع دول بشكل مباشر، وفي بقية دول شمال إفريقيا بطريقة غير مباشرة.
سوف يكون من الصعب على الاقتصاد في تونس ومصر استيعاب التداعيات السلبية لتعطيل الاقتصاد، وتراجع النشاط في أهم قطاعاته لقرابة السنة، وربما لسنوات قادمة، حتى يلتفت بقدر من الكفاءة لمواجهة تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية، وتفاقمها بالتحديد في دول الاتحاد الأوروبي. وحتى مع تفعيل العرض السخي لمجموعة الثمانية تجاه مصر وتونس، فإن إضعاف مركز القرار في الدولتين على خلفية الحالة الثورية سوف يجعل من تونس ومصر، دولتين منكشفتين بالكامل أمام الأزمة، في حالة من الضعف أمام شراسة الشريك الأوروبي، الذي تسيطر عليه اليوم سلوكيات حماية اقتصادياته من جهة، والتقاتل على ريع سوق شمال إفريقية من مائتي مليون نسمة، ومن ذلك تلك الاستماتة التي تميز بها التدخل الأوروبي في ليبيا تحت عباءة النيتو، ليس فقط من أجل اقتسام الكعكة النفطية، بل أيضا من أجل خلق سوق أعمار حقيقية تنعش دفتر الطلبات للشركات الأوروبية، قدرت بحوالي مائتي مليار دولار.

.
 استبدال نظم فاسدة بأنظمة فاشلة
قبل خمس سنوات كانت تونس مثالا يضرب عن بلد عربي نامي، استطاع أن ينخرط، من البوابة الخلفية وسلم الخدم، في سوق المقاولة من الباطن، واستفاد من موجة ترحيل بعض الأنشطة من المركز نحو الضاحية، كما استفاد الاقتصاد المصري من سياسة “تعريب” بعض المنتجات والاستثمارات الغربية، سهل عليها دخول الكثير من الأسواق العربية، واستفادت من بعض امتيازات النظام الجمركي والضريبي الخاص بالمبادلات البينية. ومن ذلك دخول شركات فرنسية كبرى في الهاتف المحمول والمنشآت الكبرى إلى سوق كبيرة مثل السوق الجزائرية عبر شركة أوراسكوم التي لعبت دور حصان طروادة.
مثل هذه الأدوار لم تعد متاحة، لا لاقتصاد التونسي ولا للاقتصاد المصري، في ظل تفاقم الأزمة في منطقة اليورو تحديدا، كما لن يكون بوسعهما مع استمرار الاضطرابات، وانهيار المنظومة الأمنية، ومع الضبابية التي تحيط بشكل الحكومات والقوى السياسية التي سوف تهيمن على القرار السياسي في البلدين، لن يكون بوسع البلدين توفير ملاذ آمن للرأسمال الخليجي الذي بدأ يتخلص من استثماراته القديمة خاصة في مصر.
ومع صرف النظر عن حالة الضعف التي سيكون عليها الاقتصاد السوري، وتشديد الحصار الغربي عليه، وتأثيراته على الاقتصاد اللبناني، فإن الدولتين العربيتين من الضفة الجنوبية اللتين لم “يزهر” فيهما الربيع العربي حتى الآن (الجزائر والمغرب) اضطرت الحكومات فيهما على الدخول في مسلسل إنفاق فوضوي، بدعوى تنفيس الاحتقان، استنزف موارد مالية طائلة في توزيع غير راشد للريع سوف يذهب إلى الاستهلاك بدل تطوير الإنتاج.

.
 ألاعيب الأطلسي بشعوب المتوسطي
لقد كان بوسع الدول العربية، من الضفة الجنوبية للمتوسط، أن تستفيد من بعض الفرص التي تتيحها الأزمات في العادة، لو لم تسبق إليها الأيادي العابثة، بإشاعة الفوضى الخلاقة لمزيد من الفوضى، والتي تنفر الرأسمال الوطني قبل نظيره الأجنبي، وتحمل الحكومات على هدر أموال طائلة في استعادة الأمن والاستقرار. فقد كان بوسع دول شمال إفريقية أن تستغل حالة الضعف التي تصيب اليوم دول منطقة اليورو لتعيد التفاوض على شروط الشراكة المجحفة مع الاتحاد، وكان بوسعها أن تستغل ذلك التوجه الأوروبي نحو بناء اقتصاد بيئي جديد يعول على الطاقات البديلة، باقتراح مشروع شراكة أوسع، يجعل من دول شمال إفريقيا موطنا جذابا لتوليد الطاقة البديلة، يكون مصحوبا بترقية صناعة مرافقة، وإيجاد بديل للأراضي الزراعية الأوروبية المستهلكة.
لقد كان بوسعنا أن نقنع الأوروبيين بمثل هذه المشاريع، لأن خيارات الاتحاد الأوروبي للخروج من الأزمة، والعودة إلى النمو والمنافسة، تبقى محدودة أمام حيوية الاقتصاديات الناشئة في آسيا وأمريكا الجنوبية، وقد استنفذت فرص التوسع داخل أوروبا، ويبقى الخليج محمية أمريكية صرفة، وإفريقية محل صراع أمريكي صيني شرس، فيما تشكل دول وشعوب شمال إفريقيا سوقا محترمة، تحتوى على هامش واسع للنمو لعدة عقود.

.
 الأخ الكبير يعبث بفرص أوروبا العجوز
في هذا السياق سوف يكتشف الأوروبيون، ومعهم دول وشعوب شمال إفريقيا، أنهم كانوا ضحية مسار كيدي أدارته الولايات المتحدة بذكاء، باستهداف الفضاء العربي الوحيد الذي كان، وبمستويات متفاوتة، خارج التأثير الأمريكي المباشر، قياسا مع منطقة الخليج على الأقل. وقد كانت دول الاتحاد الأوروبي متأخرة بأكثر من خطوة عن “الأخ الكبير” الذي يكون على الأقل قد نجح في خلق فضاء مضطرب على تخوم الاتحاد الأوروبي، وأفلح في توريط دول أوروبية في المستنقع الليبي، فهدم عقودا من التعاون السياسي والأمني بين دول شمال إفريقيا وأوروبا، وأهدر مخزون الثقة بين دول وشعوب الضفتين.
وفي كل الأحوال، فإن الربيع العربي الذي فتك حتى الآن فقط بالدول العربية الجمهورية التي كانت مرشحة للدخول ، بصيغة أو بأخرى، في شراكة مع دول الضفة الشمالية للمتوسط، قد حرم أوروبا، وهي تدخل في أزمة اقتصادية وسياسية مركبة، من فرصة الاستعانة بهذا الفضاء العربي المتوسطي، ليس فقط لتلطيف تداعيات الأزمة، بل حرمها خاصة، وربما لفترة طويلة، من أن تتحول إلى قوة وقطب سياسي فاعل ومؤثر في العالم الجديد، الذي سوف يولد من رحم الأزمة الراهنة.

.
 في انتظار “ترحيل” نظام الأوليغارك
أكثر ما تخشاه اليوم الحكومات الغربية هو أن تساعد الأزمة المتفاقمة على اندلاع  “ربيع” آخر في الضفة الشمالية، يرفع فيع شعار “الشعوب تريد إسقاط النظام” ليس تحديدا نظام ساركوزي، ولا نظام كامرون أو برليسكوني، المرشحين للرحيل في أقل من سنة من الآن، ولكن رحيل نظام هذه الطغمة من الأوليغارشية التي تستبد بالثروة والسلطة، وتعبث بمصير ومستقبل شعوب المعمورة قاطبة، وتتوارث الحكم الفعلي كابرا عن كابر أكثر من أي زعيم عربي مستبد.

مقالات ذات صلة