الرأي

الأفكار السياسية في أعمال المؤرخ سعد الله

الشروق أونلاين
  • 1494
  • 0

سوف أقتصر شهادتي في هذه المقالة، ليس على سيرة المرحوم أبو القاسم سعد الله في الوسط العائلي، ولا عن جهوده في بناء جامعة الجزائر الوطنية بعد الاستقلال، ولا عن تدريسه فيها مادة التاريخ الوطني تعليما وبحثا وتكوينا، بل سأغتنم هذه الفرصة لإمعان النظر في توليده الرؤى والأفكار في نطاق تاريخ الجزائر عبر مؤلفاته العديدة، وضمن طباعتها من جديد.

فقد نجد ما يكشف عن ذلك، بقراءة مؤلفه الموسوم بـ “الحركة الوطنية الجزائرية 1900 – 1930 الجزء الثاني، معهد البحوث والدراسات، القاهرة، طبعة 1977”. أوضح الفقيد في هذا الكتاب ثقافة الغزو الفرنسي للجزائر، ومفاهيم قانونية مثل الاحتلال، والتعاون، والجرائم المتمثلة بأنماط السلوك الإجرامي الفرنسي ضد السكان (أو كما يسميهم “بالأهالي”)، وتقرير المصير، والمقاومة (كذكره ثورة الأمير عبد القادر، وثورتي الأوراس، والهقار بين سنوات 1916 و1918).

ويمثل هذا الكتاب وغيره شاهدا على أنه كان منتجا لأفكار سياسية، يمكن تلمّسها من إشارته إلى المفاوضات على الاتفاق المبرم مع حاكم الجزائر “الداي حسين” في الخامس جويلية 1830، ومناداة الأمير خالد بفكرة تقرير المصير، ومبدإ الديمقراطية الويلسونية (المرجع السابق ص 411 – 412). كما تعرض لتحديد أسباب الغزو الفرنسي للجزائر، واعتبار الجزائر قبل الاحتلال كيانًا دوليا، يمارس سيادته على المستوى الدولي والداخلي. بالإضافة إلى ذكر مشاركة الحركة الوطنية الجزائرية في مؤتمر القوميات الذي انعقد في جنيف سنة 1916، ودور ذلك في تدويل المسألة الجزائرية (المرجع السابق، ص 258).

وحتى لا يقال إنه- عليه رحمة الله- “خلق” تاريخ الجزائر بالكلمات، فقد شرح المواقف الفرنسية والدولية كاملة وبوضوح، ابتداء من ردود الفعل عند نزول الجيش الفرنسي يوم 14 جوان 1930 بالقرب من الجزائر العاصمة، إلى دور الحركة الوطنية عقب ذلك، إلى إنشاء أول حزب وطني سياسي سنة 1830 من قِبل “حمدان خوجة” تحت اسم “لجنة المغاربة”، معتبرا ذلك حزبا لمقاومة الاحتلال الفرنسي.

ويستند في مواقفه إلى ما ذهب إليه الكتّاب الغربيون الذين تصدوا للوضع في الجزائر، مثل الكاتب الإنجليزي “وورثام” الذي أخبر سنة 1922 عن وجود حزبين سياسيين جزائريين (المرجع السابق، ص 320)، والكاتب الفرنسي “روبير غوتبي” المستنكر لقانون 1919 الذي منع الجزائريين من الاستفادة من الحقوق السياسية (المرجع السابق ص 307). علاوة على من كتب منهم عن تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، وكيف استخدمت عبارة الاستقلال الفوري عن فرنسا لأول مرة سنة 1922.

وسجل قبل وفاته بقليل رؤيته الاستشرافية، حول ما أطلق عليه الغرب مصطلح “الربيع العربي”، في مقال بعنوان “معالم لدخول عصر التنوير”، (مجلة الوسيط التي تصدرها وزارة العلاقات مع البرلمان، العدد العاشر سنة 2013، صص 283-291). فقد رفض أن تكون التوترات والاضطرابات التي وقعت في بعض البلدان العربية معبِّرة فعلا عن “ربيع”، على اعتبار أن تلك التوترات خليط بين واقع الشعوب والاستعمار الجديد. وأشار بالفعل إلى أن تلك الشعوب في الوقت الحاضر، لا تزال في مرحلة الطفولة أو المراهقة، وأنها، بحسب قوله: “لا تفرق بين حقوقها وواجباتها، ولا تزال ترد الفعل بعواطفها لا بعقولها”. لكنه يسلم بدخول الشعوب عصر التنوير إذا ما تمكنت من “بناء هوية عربية ذات بعد إنساني، وديمقراطي، وفضاء حرّ”. وبذلك يؤكد مرة أخرى أن دخول الشعوب العربية عصر التنوير يتطلب أمرين على غاية من الأهمية: الأول هو إحداث تغيير في الهياكل والأشخاص، والذهنيات، ورفع درجة الوعي لدى الشعوب. وثانيا رفع الأمية، والابتعاد عما يسميه ابن خلدون “إرهاب الحاكم”.

إن مواقف سعد الله- عليه رحمة الله-، في السياق التاريخي والفكري، تعكس في الوقت الحاضر اتجاها يسير دون توقف، يبتغي توحيد جميع الرؤى حول ماضي الجزائر وحاضرها ومستقبلها، مما يعدّ في حد ذاته كسبا جوهريا.


* الملتقى الدولي: الدكتور أبو القاسم سعد الله مؤرخا ومفكرا

جامعة الوادي 13 – 14 ديسمبر 2015

مقالات ذات صلة