-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رمضان… شهر الفرز (2)

سلطان بركاني
  • 50
  • 0
رمضان… شهر الفرز (2)

ونحن نرمق التباين الذي يكشفه رمضان بين أحوال عباد الله الصائمين، من واجبنا أن نتساءل: أنّى هذا؟ والجواب واضح: أنّ التنافس في الدنيا الفانية ملأ قلوبنا وشغل أوقاتنا، وما عاد التنافس في الآخرة يهمّنا أو يشغل بالنا! نرى الآخرة بعيدة، بينما الدّنيا حاضرة قريبة! مع أنّنا في كلّ أسبوع نرى في وفاة أقاربنا وجيراننا وأصحابنا ما يقرع قلوبنا بأنّ الآخرة قريبة وأنّها ربما تكون أقرب إلينا من كثير من المشاريع التي نخطط لها!

هذه الحال التي نعيشها، هي على النقيض تماما من الحال التي كان –ولا يزال- عليها عباد الله الصّالحين الذين كانت الآخرة أكبر همّهم، ولم تكن الدّنيا إلا مضمارهم للسباق؛ كانوا يتنافسون في الأعمال الصالحة، فإذا حلّت مواسم الخيرات زاد تنافسهم، وكان الواحد منهم إذا حلّ رمضان -الذي تضاعف فيه الأجور والحسنات- عقد العزم على أن يستكثر من الأعمال الصالحة ليلحق بإخوانه الذين يظنّ أنّه قد سبقوه.

لننظر إلى هذا النموذج الذي رواه صحابي رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- أبو هريرة –رضـي الله عنه- حين قال: أتى بعض فقراء المهاجرين رسول الله –صلـى الله عليه وسلم- يوما فقالوا: ذهب أهلُ الدُّثورِ (أصحاب الأموال الكثيرة) بالدرجات العُلى والنعيم المقيم! فقال: “وما ذاك؟” قالوا: يُصلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله –صلـى الله عليه وسلم-: “أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به مَنْ بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟” قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “تسبحون وتكبرون وتحمدون دُبُرَ (عَقِبَ) كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة”. فرح فقراء المهاجرين بهذه البشرى، لكن ما هي إلا أيام حتى رجعوا إلى رسول الله –صلـى الله عليه وسلم- فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء”.

ثمّ لننظر إلى هذا المثال الثاني للتنافس في بلوغ الجنّة، بين صحابيين من خيرة أصحاب النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-؛ يقول عمر بن الخطَّاب –رضـي الله عنه-: “أمرَنا رسول اللَّه -صلّى اللَّهُ عليه وسلَّم- يومًا أن نتصدَّق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبقُ أبا بكر إن سبقتُه يومًا، فجِئْت بنصف مالي، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله.. وأتى أبو بكر -رضي اللَّه عنه- بكلّ ما عنده، فقال له رسول اللّه -صلّى اللَّه عليه وسلَّم-: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقَيت لهم اللَّه ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا”.

كان أولئك القوم يغار بعضهم من بعض عندما يتعلّق الأمر بعطايا الآخرة، ولا يغارون عندما يتعلّق الأمر بعطايا الدّنيا الفانية. ولو أنّ حالنا كانت كحالهم لأفلحنا كما أفلحوا.. فلماذا لا يغار بعضنا من بعض في عمل الآخرة كما يغار في عمل الدّنيا؟ لماذا -يا عَبد الله- تغار من شقيقك الذي يسبقك في امتلاك سيارة، ومن جارك الذي يسبقك في إعلاء مسكنه، ولا تغار من أخيك الذي ينفق في أبواب الخير نفقة من لا يخشى الفقر، ولا من جارك الذي لا تفوته صلاة في المسجد؟ لماذا تغارين -أيتها المسلمة- من قريبتك التي كست أبناءها كسوة غالية بهية، ولا تغارين من تلك المرأة التي ربّت أبناءها على أحسن الأخلاق وضمّتهم إلى حلق حفظ القرآن وحبّبت إليهم الصّلاة في المسجد؟ لماذا تغارين من صديقتك التي تملك من الذّهب أكثر مما تملكين، ومن جارتك التي لباسها أغلى من لباسك، ومن قريبتك التي تملك بيتا واسعا وسيارة مريحة، ولا تغارين من تلك المرأة التي تلبس الحجاب الشرعي الواسع وتجتهد في حفظ القرآن وتسعى ذهابا ومجيئا إلى ومِن بيت الله؟

لماذا – يا ترى- لا نتنافس في عمل الآخرة كما نتنافس في عمل الدّنيا، مع أنّ مولانا –سبحانه- أوصانا إذا تعلّق الأمر بالدّنيا بأن نمشي بمهل حتّى لا تزلّ أقدامنا، فقال: ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)). وقال –سبحانه-: ((وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)).. لكن عندما يتعلّق الأمر بالآخرة، بالحياة الباقية الدّائمة، فإنّ مولانا –سبحانه- يوصينا بأن نسارع ونسابق، قال –جلّ وعلا-: ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين))، وقال –سبحانه-: ((سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ))؟ وهذه الآية –خاصّة- جاءت في سورة الحديد بعد قول الله –تعالى-: ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور)).. فما دمتَ –يا عبد الله- تؤمن بالله ورسله، فيمكن أن تدخل الجنّة في النهاية –بفضل الله-.. لكن بعد ماذا؟ ربّما لا تدخلها إلا بعد أن تُعذَّب مدة لا يعلم قدرها إلا الله، حتى تستوفي حقوق الله التي ضيّعتها، وحتى تستوفي حقوق العباد الذي ظلمتهم. ويوم تدخلها تجد أنّ كثيرا من أقاربك وجيرانك ومعارفك قد سبقوك إليها، وتجد كثيرا من الناس الذين كنت تغتابهم وتأكل لحومهم قد سكنوا درجاتها العالية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!